فهرس الكتاب

الصفحة 11957 من 19127

بيد أنك تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله: في غضبه وفرحه وحزنه وضحكه وبكائه، موزوناً معتدلاً، لا يخرجه الانفعال عن حده: فلا الفرح يبطره، ولا الحزن ينسيه، ولا يستطيع الغضب أن يغتصب منه زمام أمره وقياد نفسه. ويحضرني في هذا المقام قصة من حياة محمد صلى الله عليه وسلم، لتقارن فيها بين صورة محمد صلى الله عليه وسلم في فرحه وأخرى في حزنه. في الأولى منهما يستقبل مولوده الذكر الوحيد بعد أن فقد جميع أولاده، وفي الأخرى يودعه وهو ينازعه الموت. يروي لنا خادمه أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ولد لي الليلة غلام. فسميته باسم أبي إبراهيم (أي الخليل) ". ثم دفعته إلى أم سيف، امرأة قيِّن (حداد) يقال له: أبو سيف. فانطلق يأتيه واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره، قد امتلأ البيت دخاناً، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا أبا سيف! أمسك. جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالصبي، فضمه إليه، ودعا له. هذا عند ولادة الغلام، ثم إن الغلام حضره الموت، وقد بلغ سنتين من عمره، فماذا فعل أبوه رسول الله؟ قال خادمه أنس نفسه: لقد رأيته وهو يجود بنفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال"تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا. والله يا إبراهيم! إنا بك لمحزونون" [63] . وما أخالك إلا عرفت ما أريده من إيراد القصة في هذا الموضع، ومحل الاستشهاد فيها، غير إن هناك شاهدٌ آخر في القصة أعظم مما ذكرت، ويدخل في دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، فقد روى المغيرة بن شعبة أنه انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم!. فبماذا أجاب محمد؟ وهل جاراهم فيما اعتقدوه؟ أليست هذه الحادثة فرصة سانحة ؛ ليثبت محمدٌ صلى الله عليه وسلم مركزه بين الناس، ويدعم دعواه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت