فهرس الكتاب

الصفحة 12010 من 19127

لا تروِّعنك هذه الشبهة فأمرها هين، وتفنيدها يسير، فالإسلام في ضبط المجتمع لا يعتمد على العقوبات، ولكنه يصلحه ويهذبه ويرتقي به بالتربية وتطهير النفوس وغرس القيم والمثل والوازع الديني الذي يتمتع بقوة ضبطٍ ذاتية لا يمكن أن يرقى إليها أي قانون وضعي، ويرافق التربية تطهير المجتمع من مثيرات الجريمة التي تغري بها، ويحول دون نشوء ظروفها التي تنمو فيها، فيحارب الفقر والمرض والبطالة والإثارة والظلم الاجتماعي، ثم بعد ذلك تأتي العقوبة كرادعٍ لمن تسوِّل له نفسه ارتكاب الجرائم وتهديد أمن المجتمع والدولة، وهي إلى التهديد والزجر أقرب منها إلى إيقاع العقوبة، ذلك لأن الإسلام وضع شروطاً لإقامة الحدود والعقوبات بالغة الدقة ؛ توخياً للعدالة ودرءاً للعقوبة ما أمكن، وهي مظهرٌ من مظاهر الرحمة أيضاً، ويمكنك أن تختبر حقيقة هذا الكلام بالرجوع إلى تاريخ القضاء في الإسلام، لتتأكد بنفسك من ندرة تنفيذ هذه العقوبات، ويمكنك أن تعدَّ على أصابع يدٍ واحدة الحدود التي نفذها الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت نفسه ستطَّلع على مجتمع ينعم بالأمن والعافية والازدهار، وبذلك تعلم أن هذه العقوبات التي شرعها الإسلام، تتوافق وتتناغم مع موجب أسماء الله وصفاته من حكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعدله، ومع الرحمة التي تمتع بها رسوله ؛ لتزول عن الناس النوائب والمكاره، وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان، ويقتنع كل إنسان بما آتاه مالكه وخالقه ؛ فلا يطمع في استلاب غيره حقه، وهذا يتسق تماماً مع وظيفة العقوبة، ألا وهي إقامة العدل وحماية المجتمع [168] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت