فهرس الكتاب

الصفحة 12036 من 19127

ولم تكن هذه الوصايا مجرد كلامٍ يمضغ للدعاية، ولكنه كان يأخذ طريقه إلى التطبيق العملي، وشواهده وصوره كثيرة، ومنها فتح مكة وكان من أعظم أيام الإسلام، وعادة المنتصر أن يمتلئ زهواً وخيلاء وغروراً، وقد يسرف في القتل والانتقام؛ ليطفئ نار الحقد التي تشتعل في قلبه، ويشفي غليله من خصوم الأمس الذين وقعوا في قبضته، وقد كانت راية الأنصار في فتح مكة مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قائد قريش المنهزم قال له مهدداً: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُسْتَحَلُّ الحُرْمَة، اليوم أذل الله قريشاً . فلما حاذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان قال: يا رسول الله، ألم تسمع ما قال سعد ؟ قال: (وما قال ؟ ) فقال: قال كذا وكذا . فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بل اليوم يوم تُعَظَّم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً ) [208] ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء، ودفعه إلى ابنه قيس بن سعد. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن شعر لحيته ليكاد يمس واسطة الرحل. ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: {جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } [209] ، { قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ } [210] ، والأصنام تتساقط على وجوهها . وبعد تطهير الكعبة صلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيها ثم خطب أمام قريش ، وكانت قد ملأت المسجد صفوفاً، ينتظرون ماذا يصنع ؟ فأخذ بعضادتي الباب وهم تحته، فكان مما قاله في خطبته: (يا معشر قريش إن الله قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت