وهذه الخصالُ الحميدة يَتَحَلَّى بها أهل الإسلام والإيمان، وإذا ما ضَعُف إيمانُهم، أو قَلَّ إحسانُهم، أو فَترتْ عزائمُهم، أو تسلَّطَتْ عليهم شياطينُهم فجمحت بهم إلى زخارف الدنيا جاءهم ما يذكرهم ربهم، ويزيد في إيمانهم، ويُجَدِّد رغبتهم في الآخرة، كما في شهر رمضان الذي يعود كل عام، تنبعثُ فيه النفوس من كَسَلِها، ويتجدد نشاطها، وتقوى عزائمها، ويزداد إيمان المؤمِنينَ، وتَشْتَدّ رغبتهم فيما عند الله - تعالى - فلا تراهم إلا رُكَّعًا سُجَّدًا، يذكرون الله - تعالى - ويتلون كتابه، ويُخْلِصُون الدعاء له وحده، ويرجُون رحمته، ويخافون عذابَه، مع محبة وخشوع وإنابة؛ فَتَزْكو نُفُوسُهم، وتَرِقّ قلوبهم، وتجود مدامعُهم، وترخص الدنيا في ميزانهم؛ فيرفع عنهم التحاسُد والتباغُض والتقاطُع؛ لأن الحسد والبغْضاءَ والقَطيعةَ أخلاقٌ فاسدةٌ، كان سببَها حبُّ الدنيا، وقد سَما بهم إيمانُهم عن الدنيا؛ فأصبحوا من طُلاَّب الآخرة.
إنك ترى مظاهر ذلك في رمضان أينما يَمَّمْتَ وجهك في بلد من بُلدان المسلمين، أو أي بقعة فيها مسلمون يصومون لله - تعالى - ويُصَلُّون.
ترى كَثْرة المتصدقِينَ، وتُشاهد مَوائدَ لإفطار الصائمينَ، وتَلْحَظ المواساة بين الناس. وهذا مقصدٌ عظيم من مقاصد الصوم، ومعنًى أراده الشارع الحكيم؛ ليُهَذِّب الأخلاق، ويسْمُوَ بنفوس الصائمِينَ؛ كما سئل أحد السلف:"لِمَ شُرع الصيام؟"قال:"ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع" [لطائف المعارف: 315] .
المُواساة عند سلفنا: