إن الصيام طريقٌ إلى المُواساة، ومسلك من مسالك الإحسان. ومن حَقَّقَ الصيام الشرعي الذي أمره الله - تعالى - به، واجتنبَ ما يُخِلّ به من قول الفُحْش أو سماعه، أو النظر إلى الحرام أو فعله؛ فهو حَرِيّ أن يُواسي إخوانه، ويُحسن إلى الناس. قدوته في ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان الإحسانُ إلى الناس ومواساتُهم خُلُقًا من أخلاقه - عليه السلام - كما قال عثمان بن عفان - رضي الله عنه:"إنا واللهِ قد صَحِبْنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر والحَضَر، يعود مَرْضانا، ويتبع جنائزنا، ويَغْزُو معنا، ويُواسينا بالقليل والكثير، وإن ناسًا يُعْلِمُوني به عسى أن لا يكون أحدهم رآه قَط"؛ رواه أحمد: 1/69.
وهكذا سار صحابتُه - رضي الله عنهم - والتابعون لهم بإحسان على هذا المنهج القويم من مُواساة إخوانهم، والإحسان إليهم، ويزداد هذا الخُلُق فيهم إذا كانوا صِيامًا؛ كما كان ابنُ عمر - رضي الله عنهما - يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعهم أهله عنه لم يَتَعَشَّ تلك الليلة! وكان إذا جاءه سائلٌ، وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعْطَاه السائلَ، فيرجع وقد أكل أهلُه ما بقيَ في الجَفْنَة، فيصبح صائمًا ولم يأكلْ شيئًا.
واشتهى أحد الصالحين طعامًا وكان صائمًا، فَوُضِع بين يديه عند فطوره، فسمع سائلاً يقول:"من يُقرض الْمَلِيّ الوفِيّ الغني"، فقال:"عبده المعدم من الحسنات؛ فقام فأخذ الصَّحْفَة فخرج بها إليه، وبات طَاويًا".
وجاء سائلٌ إلى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - فدفع إليه رغيفَيْنِ كان يعدهما لفطره، ثم طوى، وأصبح صائمًا.
قال الشافعي - رحمه الله تعالى:"أُحِبُّ للرجل الزيادة بالجُود في شهر رمضان؛ اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم؛ ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم" [لطائف المعارف: 315] .