فهرس الكتاب

الصفحة 12151 من 19127

أرحام جمعتها أواصر الرحم، ووشائج القربى، ففرقتها الأحقاد، ومزقتها الضغائن، ويا ويل قاطعيها من الرحمن جل جلاله؛ إذ أوجب صلتها، وحرم قطيعتها، وقال سبحانه في الحديث القدسي: (أنا الرحمن وهي الرحم، شققت لها اسما من اسمي، من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته) رواه أبو داود0

وكم في الجيران من قلوب لا تخلو من كدر الحسد والغل والكراهية، بيوتهم متجاورة وربما متلاصقة، ويسلكون في ذهابهم وإيابهم طريقا واحدة، ويشاهد بعضهم بعضا صباحا ومساء، بل يصطفون في مسجد حيهم خلف إمام واحد، قد التصقت أكعبهم ومناكبهم في عبادة من أجلِّ العبادات وأعظمها عند الله تعالى، ولكن بينهم من التنافر والتباعد أبعد مما بين المشرق والمغرب، وإذا جمعهم الله تعالى على غير ميعاد في سوق أو وليمة أو عند باب المسجد أعرض هذا وتنحى ذاك، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام0

ولو فتشت عن كثير من أسباب الغل والكراهية، والتدابر والقطيعة، لوجدتها أسبابا تافهة، ولكنه الشيطان الذي أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم0

إنها عزة متوهمة، وقوة مزعومة تمنع الواحد من المتخاصمين أن يزيل أسباب الخلاف، ويدحر الشيطان، ويبدأ صاحبه بالسلام، وتمضي الأيام وهما على قطيعتهما، فلا ترفع إلى الله تعالى أعمالهما؛ لأن رفع الأعمال مشروط باصطلاحهما، وإزالة الشحناء بينهما، وصفاء قلب كل واحد منهما على صاحبه0

ولو مات أحدهما وهما على قطيعتهما لندم الآخر، ومن ختم حياته بهجران أخيه المسلم فبئس الخاتمة، فإن كان جارا له فبئس الجار، وإن كان ذا رحم فالأمر أشد، والمعصية أكبر، وبقدر قرب رحمه منه مع هجره له يزداد الإثم، وتعظم شناعة الهجر والقطيعة، كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار) رواه أبو داود0 هذا في حق المسلم عموما، فكيف إذا بالجار، ثم كيف بذي الرحم والقرابة؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت