فهرس الكتاب

الصفحة 12167 من 19127

فقال الرشيد: ويحكِ إنما هي أُمَّة محمد، ورعاية من استرعاني الله تعالى مُطَوَّقًا بعنقي، وقد عرفتِ ما بين ابني وابنِكِ، ليس ابنُكِ يا زبيدةُ أهلاً للخِلافة، ولا يصلح للرعيَّةِ.

قالت: ابني والله خيرٌ منَ ابنِكَ، وأصلح لما تريد، ليس بكبير سفيه، ولا صغير فيه [1] ، أسخى منَ ابنِكَ نَفْسًا، وأشجع قلبًا.

فقال هارون: ويحك إن ابنك لأحب إلي، إلا أنها الخِلافة لا تصلح إلا لمن كان لها أهلاً، وبها مستحقًّا، ونحن مسؤولون عن هذا الخلق، ومأخوذون بهذا الأنام، فما أغنانا أن نَلْقَى الله بِوِزْرهم، وننقلب إليه بإثمهم، فاقْعُدي حتى أعرِضَ عليك ما بين ابْنِي وابْنِكِ.

فقعدت معه على الفراش، ثم دعا ابنه عبدالله المأمون، فلمَّا صار بباب المجلس سَلَّمَ على أبيه بالخِلافة، ووقف طويلاً وقد طَأْطَأَ برأسه، وأغضى ببصره، ينتظر الإذن حتى كادت قدماه تَرِمُ، ثم أذن له بالجلوس فجلس، فاستأذن بالكلام، فأذن له فتكلم، فحمد الله على ما منَّ به من رؤية أبيه، ويرغب إليه في تعجيل الفَرَجِ مِمَّا به، ثم استأذنه في الدُّنُوِّ من أبيه، فدنا منه، وجعل يَلْثم أسافل قدميه، ويُقبِّلُ باطن راحَتَيْهِ، ثم انثنى ساعيًا إلى زبيدة، فأقبل على تقبيل رأسِها، ثُمَّ انْثَنَى إلى قدميها، ثم رجع إلى مجلسه، فحَمِدَ الله إليها فيما منَّ به عليها من رِضَى أبيه عنها، وحُسْنِ رأْيِه فيها، ويسأله تعالى العون على بِرِّهِ، وأداءِ المفروض عليها من حقِّهِ، ويرغب أن يُوزِعَهَا شُكْرَهُ وحَمْدَهُ.

فقال الرشيدُ: يا بُنَيَّ إني أريد أن أَعْهَدَ إليكَ عهد الإمامة، وأُقْعِدَكَ مَقْعَدَ الخِلافة، فإنِّي قد رأيتُكَ أهلاً لها، وبها حقيقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت