فهرس الكتاب

الصفحة 12168 من 19127

فاسْتَعْبَرَ عبدالله المأمون باكيًا، وصاح مُنتَحِبًا يَسألُ اللَّهَ العافِيةَ من ذَلِكَ، ويرغب إليه أن لا يُرِيَهُ فَقْدَ أبيه، فقال له: يا بُنَيَّ! إنّي أراني لما بي، وأنت أحقُّ، وسلِّمِ الأمرَ لِلَّه، وارض به، واسأله العَوْنَ عليه، فلا بد من عهدي يكون في يومي هذا، فقال عبدالله المأمون: يا أَبْتَاهُ! أخي أَحَقُّ منِّي، وابنُ سَيِّدَتِي، ولا إِخالُ إلا أنَّه أَقْوَى على هذا الأمر منِّي، وأشدُّ استطلاعًا، عَرَضَ اللهُ لك ما فيه الرشاد والخَلاص، وللعباد الخير والصلاح، ثم أذن له فقام خارجًا.

ثم دعا هارون بابنه محمَّدٍ الأمينِ، فأقبل يَجُرُّ ذَيْلَهُ، ويتبخْتَرُ في مِشْيَتِهِ، فمشى داخلاًً بنعْلِه، قد أُنْسِيَ السلامَ، وذهِل عن الكلام نَخْوَةً، وتَجَبُّرًا، وتعظُّمًا، وإعجابًا، فمشى حتى صار مستوِيًا مع أبيه على الفراش.

فقال هارون: ما تقول أَيْ بُنَيَّ، فإني أريد أن أعهد إليك؟

فقال: يا أمير المؤمنين، ومن أحق بذلك منِّي، وأنا أسنُّ وَلَدِكَ، وابنُ قُرَّة عَيْنِكَ؟!

فقال هارون: اخرج يا بنيّ.

ثم قال لزبيدةَ: كيف رأيت ما بين ابني وابنِكِ؟

فقالت: يا أمير المؤمنين، ابني أحقُّ بما تريد، وأَوْلَى بما لَدَيْكَ.

فقال هارون: فإذا أَقْرَرْتِ بالحق، وأنصفتِ ما رأيتِ، فأنا أعهد إلى ابني، ثُمَّ إلى ابنِكِ بعدُ. فكتب عَهْدَ عبدالله المأمون، ثم محمد الأمين بعدُ [2] .

وكما سبق، كان الكِسَائِيُّ يُؤَدِّبُ الأمينَ بِشِدَّةٍ، ويقول:"إنَّ محمَّدًا مُرَشَّح للخلافة بعد أبيه، ولا يجوز التقصير في تأديبه" [3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت