ومنذ أن سكن البشر الأرض ورِزْقُ الله تعالى يأتيهم فيها، والكوارث الكونية سواء كانت عذابا أم ابتلاء لم تُفْنِ البشر كلهم، بل يبقى منهم بقية يتناسلون ويتكاثرون ويعمرون الأرض؛ لحكمة يريدها الله تعالى.
والشمس والقمر مسخران للأرض ومن عليها، ومقدران بما ينفع الناس ولا يهلكهم، ولو كانت الشمس أقرب إلى الأرض لأحرقتها ومن عليها، والناس يتأذون من الشمس في شدة الحر فكيف لو اقتربت!! ولو كانت الشمس أبعد عن الأرض لتجمدت الأرض ومن عليها، والعقلاء يدركون ذلك في شدة البرد المهلك، فيعلمون نعمة الله تعالى عليهم بتقدير موقع الشمس من الأرض، فسبحان من خلق كل شيء فقدره تقديرا.
وشدة البرد، وشدة الحر نَفَسَان من جهنم؛ لتذكير العباد في الدنيا بنار الآخرة؛ ليتقوا ما يوردهم إياها، ويأخذوا بأسباب النجاة منها، روى أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اشْتَكَتْ النَّارُ إلى رَبِّهَا فقالت: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لها بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ في الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ ما تَجِدُونَ من الْحَرِّ وَأَشَدُّ ما تَجِدُونَ من الزَّمْهَرِيرِ) متفق عليه.
والبرد مهلك، كما أن الحر مؤذٍ، لكن الحَرَّ لا يهلك في الغالب؛ ولذا فالناس يخافون البرد ويتقونه أكثر من الحر، وقد دلَّ القرآن على هذا المعنى؛ ففي سورة النحل ذكر الله تعالى في أولها أصول النعم، ومنها بهيمة الأنعام وقال سبحانه فيها {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل:5] وفي آخر السورة ذكر مكملات هذه النعم من المتاع والأثاث ومنها قوله سبحانه {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} [النحل:81] وسرابيل البأس هي لباس الحرب، فلم يذكر لباس البرد من المكملات؛ لأنه عز وجل ذكره من الأصول والأساسات في أول السورة.