فهرس الكتاب

الصفحة 12222 من 19127

ومن كمال نعيم أهل الجنة أنهم لا يجدون فيها حرًَّا ولا بردا قال قتادة رحمه الله تعالى: عَلِم الله تعالى أنّ شدة الحر تؤذي وشدة البرد تؤذي فوقاهم أذاهما جميعا. {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان:13] والزمهرير هو البرد القاطع، قال ابن مسعود رضي الله عنه: هو لونٌ من العذاب.

وعن الأصمعي رحمه الله تعالى قال: كانت العرب تسمي الشتاء الفاضح-وكأنه والله أعلم يفضح الفقير، فلا صبرَ له عليه، بخلاف الحر فيصبر عليه- فقيل لامرأة منهم: أيما أشد عليكم القيظ أم القُرُّ؟ فقالت: يا سبحان الله، من جعل البؤس كالأذى؟ فجعلت الشتاء بؤسا والقيظ أذى.

والعرب تسمي الشتاء ذكرا والصيف أنثى؛ لقسوة الشتاء وشِدَّة غلظته، ولين الصيف وسهولة شكيمته.

قال الزمخشري: وعادتهم أن يذكروا الشتاء في كل صعب قاس، والصيف وإن تلظى قيظه وحمي صلاؤه وعظم بلاؤه فهو بالإضافة إلى الشتاء هوله هين على الفقراء؛ لما يلقونه فيه من الترح والبؤس؛ ولهذا قيل لبعضهم: ما أعددت للبرد؟ قال: طول الرعدة، وفظاظة الشدة.

ويُذكر عن عمر رضي الله عنه أنه كان يتعاهد رعيته إذا حضر الشتاء، ويكتب لهم قائلا: إنّ الشتاء قد حضر، وهو عدو فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب، واتخذوا الصوف شعارًا ودثارًا؛ فإنّ البرد عدو سريعٌ دخوله، بعيدٌ خروجه.

أيها الإخوة: ولأنَّ شدة البرد تؤذي الناس وقد تهلكهم؛ فإن الله تعالى قد خفَّف عنهم في كثير من الأحكام الشرعية لأجل ذلك؛ فأباح عز وجل لهم التيمم في شدة البرد، وعدم وجود وسائلَ لتسخين الماء؛ مما يُظَن معه الهلاك أو الضرر، وفي ذلك أقرَّ النبي عليه الصلاة والسلام عمرو بن العاص لما أجنب في غزاة وتيمم وصلى بالناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت