وتسخينُ الماء في شدةِ البرد مما يحفظ النفس من العطب والمرض، ويعين على إسباغِ الوضوء وإتمامِ الطاعة فلم يكن به كراهة، ويُخشى على من تنزَّه عنه قربةً من الغلو والتنطع.
قال شُراح الحديث: تسخينُ الماء لدفع برده ليقوى على العبادة لا يمنع من حصول الثواب المذكور.اهـ والله عز وجل لا حاجة له في تعذيبنا وإرهاقنا، فكلُّ ما أعان على إتمام العبادة، ولم يكن منصوصا على المنع منه، ولا يترتب عليه ضرر فمباح للمؤمن أن ينتفع به.
وليحذر العبدُ من سبِّ الريح وإن آذته ببردها وشدتها؛ فإنها من الله تعالى، وقد يُصاب بالحُمى من جراء البرد فلا يَسُبُّها أيضا؛ لأنها من الله تعالى؛ ولأنها تُحرق ذنوب العبد، وتخفف عنه، فكان فيها خير له ولو أقعدته وأسهرته وآذته.
ويَكثرُ في البرد إيقاد النار ووسائلِ التدفئة؛ فليحذر المسلم منها؛ فإن النار عدو له، وكم من حوادث هلك فيها أفراد وأسرٌ بسبب التساهل في ذلك، روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَا تَتْرُكُوا النَّارَ في بُيُوتِكُمْ حين تَنَامُونَ) وعن أبي مُوسَى رضي الله عنه قال: (احْتَرَقَ بَيْتٌ على أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ من اللَّيْلِ فلما حُدِّثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِشَأْنِهِمْ قال:(إِنَّ هذه النَّارَ إنما هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ فإذا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ) روى الحديثين البخاري ومسلم.
ويُكره أن تكون النار في قبلة المصلي فريضة كانت أم نافلة، ولو شُعْلَةَ مِدْفَأةٍ أو شمعة؛ لما فيه من التشبه بالمجوس الذين يُصَلُّون للنار أو إليها، وقد نُهينا عن التشبه بالكفار.
أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يرزقنا العمل بما علمنا، إنه سميع مجيب.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم...
الخطبة الثانية