فهرس الكتاب

الصفحة 12570 من 19127

وبعد قراءة هذه القصة العجيبة نجد أن الله تعالى قد ضرب مثلا عظيما في الدنيا؛ بيانا لحقيقتها، وإثباتا لزوالها، وتحذيرا من الغرور بها (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) ثم ذكر سبحانه الآخرة والحساب، والكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

فمن فتن بالمال فعطل الفرائض من أجله، وجاوز الحلال إلى الحرام في جمعه وإنفاقه، واستعلى على الناس به؛ فليأخذ عبرة وعظة من قصة صاحب الجنتين، ولينعم النظر في المثل الذي ضربه الله تعالى للدنيا عقب ذلك، وليتدبر الآيات التي تخبر عن شدة الحساب والكتاب الذي يحصي الصغيرة والكبيرة؛ فإنه إن فعل ذلك خاف المال وكثرته، وحاذر من فتنته.

ومن فتن هذا العصر: الفتنة بما فتح الله تعالى على البشرية من أنواع العلوم والمعارف التي قادت كثيرا من الناس إلى الكفر بالله تعالى، وتكذيب آياته، والإلحاد في أسمائه وصفاته؛ فزعم المفتونون بهذه العلوم والمعارف أن الإنسان هو مركز الكون، ومحور الوجود، وأنه سيطر على الطبيعة، وأنه لا وجود إلا للمادة، في إلحاد صارخ، وإلغاء لعالم الغيب، وإنكار للآخرة، بل زعم بعض ملاحدة هذا العصر أن الإنسان سيسيطر على الموت، وسيكتشف بلسم الحياة.

لقد فتنوا أشد الفتنة بالعلوم العصرية، وبسببها عبدوا الدنيا، وتركوا النظر في الموت وما بعده فنسوا الآخرة.

وقد يفتن الإنسان بالعلوم الشرعية فلا ينتفع بها قلبه، ولا تزيد إيمانه، ولا تقوده إلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال، وذلك حين يغتر العالم بعلمه، ويستعلي به على غيره، ويجعله مطية لدنياه، فيحرف الكلم عن مواضعه ليرضي الأهواء، وينصر الباطل على الحق، ويعتد برأيه ولو كان مخالفا للنصوص والإجماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت