إنه كلام الله - تعالى - رب العالمين، ومالكِ يَوْمِ الدِّينِ، وخالق الناس أجمعين. لا أنيس لمن لم يَأْنَسْ به، ولا راحَةَ لِمَنْ لم يَتَدَبَّرْهُ ويعمل بما فيه، فهل يجوز لعاقل أن يستغني عنه بغيره! وأن يَسْتَبْدِلَ بِهِ سِواهُ مِنْ لَغْوِ الحديث، ومجالس الباطل، ومزامير الشيطان؟! لا يفعل ذلك وربي إلا مَنْ عَطَّلَ عَقْلَهُ، وَاتَّبَعَ هواه، فهو حريٌ بالهلاك إن لم يتدارَكْهُ الله برحمته، فيُعجل بتوبة نصوح.
أيها المؤمنون: هذا حديث عن سورة عظيمة في معانيها، قليلة في حروفها، لم تتجاوزْ آياتُها ثلاث آيات؛ لكن فيها من العلم والفضل ما سوَّد به المفسرون عشراتِ الصفحات، وما خفي عليهم من علمها ومعانيها أكثر.
اشتملت هذه السورة العظيمة على بِشَارة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه أعطي الخير الكثير في الدنيا والآخرة، وأُمر بأن يشكر الله على ذلك بالإقبال على العبادة، وأن ذلك هو الكمالُ الحقُّ، لا ما يتطاول به المشركون على المسلمين بالثروة والنعمة، وهم مغضوب عليهم من الله - تعالى -؛ لأنهم أبغضوا رسله - عليهم السلام - وغضب الله - تعالى - بَتْرٌ لهم إذ كانوا بمحل السخط من الله - تعالى - [1] .
وأما سبب نزولها: فما رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:"قدم كعبُ بن الأشرف مكَّة فقالت له قريش:"أنت سيدهم، ألا ترى إلى هذا الصنبر المنبتر من قومه؟ يزعم أنه خيرٌ مِنَّا ونَحْنُ أَهْلُ الحجيج، وأَهْلُ السدنة، وأهل السقاية، فقال: أنتم خَيْرٌ منه، قال: فنزلت {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر: 3] ؛ رواه البَزَّار، وصححه ابن كثير [2] ·
وذكر مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة:"أنها نزلت في العاص بن وائل؛ ذلك أنه إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"دعوه فإنه رجل أبتر لا عَقِبَ له، فإذا هلك انقطع ذكره"فأنزل الله هذه السورة [3] ·"