وينبغي أن أنبِّه في آخر هذا التقديم: أن محاولة القراءة هذه ليست تفسيراً للقرآن الكريم؛ بل هي محاولة لفهم القرآن الكريم من منظور علم النفس العام، ولا ينبغي أن يُفهم أن هذه المحاولة عبارة عن عمل نهائي في هذا المجال؛ بل عبارة عن تجربة أراد كاتبها أن يخوضها، وأن يقدمها للباحثين والمهتمين للمناقشة والإثراء.
الرؤيا:
تبدأ سورة يوسف بإثارة الانتباه - بحروف ثلاثة لا نعرف لها معنًى محدداً - إلى آيات الكتاب المبين، التي نزلت بلغة عربية على قوم لا يفهمون ولا يعرفون غيرها من اللغات، مما يوضح العلاقة الوثيقة بين اللغة والعقل. والقصة تعتمد أساساً على اللغة؛ وهل يمكن تأليف قصة أو إخراجها سينمائيا أو تلفزيونيا، أو رسماً وتصويراً، أو بأيِّ شكل من أشكال التعبير والاتصال دون لغة، مهما كانت هذه اللغة بسيطة أم معقدة، مجرَّدة أم مجسَّمة؟ وكما تعتمد القصة على اللغة؛ فإن القصة من أساليب تعليم اللغة، وتعليم السلوك وتغييره.
وهذه القصة لم يقتبسها النبي - صلي الله عليه وسلم - من اليهود والنصارى، كما لم يسمعها من القصَّاصين والرواة؛ بل الوحي مصدرُها، فالوحي هو مصدر المعرفة إلى جانب مصادر أخرى؛ مثل اللغة، والعقل، والطبيعة، ولولا هذا الوحي لكان محمد صلي الله عليه وسلم - ولبقي غافلاً عمَّا حدث في القرون الغابرة لغيره من الأنبياء والرسل، والأقوام والمجتمعات.