فهرس الكتاب

الصفحة 12611 من 19127

عندما سأل الملك نسوة المدينة عن مراودتهنَّ ليوسف، ومن هو المسئول عن ذلك، اعترفت النساء ببراءة يوسف، وعند هذا الحدِّ لم يكن هناك أمام امرأة العزيز إلا الاعتراف والإقرار بما قامت به؛ فقالت: {الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف:51] . لقد اعترفت امرأة العزيز؛ فبرَّأت ساحة يوسف، وشهدت بصدقه، وبالتالي كذبها، وحمَّلت نفسه مسؤولية ما حدث، مشيرةً بصراحة إلى نفسها التي أمرتها بالسوء؛ أي: بالهوى والخضوع إلى نداءات اللذة، والتعسُّف في استخدام السلطة، ولا شك أن الانفعالات التي سيطرت على امرأة العزيز في هذه اللحظات قد تمثلت في الشعور بالإثم والندم على ما بدر منها، والغضب على سلوكها، مع مسحةٍ من الحزن.

ومما يُستخلص من قول امرأة العزيز: هو أن النفس أمَّارةٌ بالسوء أصلاً، أي: أن نوازع الشر جزء من الطبيعة البشرية، وهذه النوازع - حسب قولها - هي الغالبة عليه، ولا ينجو منها إلا مَنْ رحمه الله، وتداركه بغفرانه، مما يدل على أن الإيمان بالله - سبحانه وتعالى - واستدرار رحمته منجاةٌ من الوقوع فريسةً سهلةً لنوازع الشر؛ الشيء الذي يكوِّن في النفس مقاومةً روحيةً لهذه النوازع، التي وإن كان لا يقضي عليها تماما، إلا أنها تضعف بازدياد الإيمان، واستبدال نوازع الشر بنوازع الخير والرحمة والمغفرة، ويرينا هذا الإدراك مثالاً لكيفية تأثير الجانب الروحي في الجانب الوجداني وفي السلوك، كما يرينا إدراك امرأة العزيز لعدم فلاح مسعى الخائنين وكيدهم، رغم تجنيدهم القوي للانفعالات السلبيَّة الهدَّامة، مثل الغضب والغيرة والحسد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت