فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
كان لي صديق من أهل الأدب والمروءة والحسب قد أتى عليه ثلاثة أعصار، مشتهر بحفظ العلوم والأخبار، والمُلَح والأشعار، وكان لا تسكن حركاته، ولا تتوفر لذَّاته؛ إلا في قضاء حوائج الإخوان، وإدخال السرور على من عرفه من الناس، فألهاني ما شهدت منه عمّا وُصِف لي عنه، فقلت له يوماً: ما هذا الذي تفعله؟ وما قواك على ما تصنعه؟
فقال: يا أصمعي، إني شهدت الأيام في اخضرار عيشها، ورأيت تصرُّفها، وحلبت الدهر أشطُرَه، ولهوت في ريعان الشباب، وجالست العلماء، وصحبت أهل التصابي، فما طربت بما سمعت، ولا ابتهجت بما رأيت، كابتهاجي لنشر نعمة، وشفاعة شافع في طلب شاكر، يرجو بذلك الحياة في العاجل، وجزيل الثواب في الآجل، واني لأتشوق إلى الرجل الأديب، تشوق المريض إلى الطبيب، وأطرب إليه كطرب المحب إلى الحبيب، وأنشد يقول:
وإذا الأديب مع الأديب تحدَّثَا كانا من الآداب في بستان
لا شيء أحسن منهما في مجلس يتطاعمان جواهراً بلسان
* الفتى العاشق *
وحكى الأصمعي -أيضاً- فقال:
بينما كنت أسير في بادية الحجاز؛ إذ مررت بحجر قد كتب عليه هذا البيت:
أيا معشر العشاق، بالله خَبِّروا إذا حلَّ عشق بالفتى كيف يصنع؟
فكتب الأصمعي تحت ذلك البيت:
يداري هواه ثم يكتم سرَّه ويخشع في كل الأمور ويخضع!
ثم عاد في اليوم التالي الى المكان نفسه، فوجد تحت البيت الذي كتبه هذا البيت!
وكيف يداري، والهوى قاتلُ الفتى وفي كل يوم قلبُه يتقطع؟
فكتب الأصمعي تحت ذلك البيت:
إذا لم يجد صبراً لكتمان سرِّه فليس له شيء سوى الموت ينفع!
قال الأصمعي:
فعدت في اليوم الثالث إلى الصخرة، فوجدت شاباً ملقى تحت ذلك الحجر، وقد فارق الحياة ،وقد كتب في رقعة من الجلد:
سمعنا، أطعنا، ثم متنا فبلغوا سلامي إلى من كان للوصل يمنع
* المخبر والجوهر *