فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
هذه السنوات الخمس والثلاثون كانت حافلة بالعطاء الفكري للشيخ، ولا سيما في برنامجيه اللذين استقطبا - على مر السنين - ملايين المستمعين والمشاهدين وتعلق بهما الناس على اختلاف ميولهم وأعمارهم وأجناسهم وجنسياتهم، ولم يكن ذلك بالأمر الغريب، فلقد كان علي الطنطاوي من أقدم مذيعي العالم العربي، فقد بدأ يذيع من إذاعة الشرق الأدنى من يافا في أوائل الثلاثينيات، وأذاع من إذاعة بغداد سنة 1937م، ومن إذاعة دمشق من سنة 1942 م لأكثر من عَقدين متصلين، وأخيراً من إذاعة المملكة العربية السعودية ورائيها نحو ربع قرن متصل من الزمان.
هذا العمل ملأ عليه وقته كله خلال تلك السنوات، وقد عشت معه - عليه رحمة الله - بعضاً من تلك الأيام، ما زلت أسترجع ذكراها إلى اليوم. لقد جئت إلى المملكة في مطلع عام 1977م لدراسة الهندسة في جامعة الملك عبد العزيز بجُدَّة، وكنت أمضي في نهاية كل أسبوع يومين أو ثلاثة أيام في بيته بمكة، فأراه كيف يصنع. كان يمضي كل يوم ساعات عاكفاً على أسئلة المستمعين والمشاهدين قراءة وفرزاً ليختار منها ما يصلح للإجابة، وما كان يسعه أن يجيب عن كل سؤال يأتيه؛ لأنه كان يستلم من الأسئلة في كل أسبوع مئاتٍ - حقيقة لا مجازاً - ووقت البرنامجين لا يكاد يتسع لغير عشر منها أو عشرين، ثم كان يراجع المسائل في أمهات الكتب، ويضع تعليقات على الأسئلة بخطة في بعض الأحيان. وكان - فوق ذلك - يتفرغ للإجابة عن أسئلة المستفتين بالهاتف بين العصر والمغرب كل يوم.