ولطالما أعلن في الإذاعة والرائي أن ذلك هو الوقت الذي يتلقى فيه الأسئلة، ولكن الهاتف كان يرن كل ساعة من ليل أو نهار! فإذا جاء المغرب كان ينطلق إلى الحرم فيجلس في موضع له هناك لا يفارقه بين العشاءين فيأتيه من الناس من شاء، ويسأله من شاء، فكان ذلك مجلساً مفتوحاً للعلم والفتوى، فإذا عاد من الحرم بعد العشاء فلا يستقبل أحداً - كما أنه لا يستقبل أحداً قبل العصر - ويعود إلى قراءته ومراجعاته وشؤون أهل بيته.
هكذا أمضى جدي تلك السنوات، حتى إذا جاوز الثمانين بدأ جسمه - الذي حمله في مسيرة حياته الطويلة الحافلة - بالتعب، وما عاد يقوى على العمل، فآثر ترك الإذاعة والرائي.
وكان - قبل ذلك - قد لبث نحو خمس سنين ينشر ذكرياته في الصحف، حلقة كل يوم خميس، فلما صار كذلك وقف نشرها - وكانت قد قاربت مئتين وخمسين حلقة - وودع القراء فقال:"لقد عزمت على أن أطوي أوراقي، وأمسح قلمي، وآوي إلى عزلة فكرية كالعزلة المادية التي أعيشها من سنين، فلا أكاد أخرج من بيتي، ولا أكاد ألقى أحداً من رفاقي وصحبي" [25] وقد مُنح جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1990م.
عزلته ووفاته: