أغلق عليه باب بيته واعتزل الناس إلا قليلاً من المقربين يأتونه في معظم الليالي زائرين، فصار ذلك له مجلساً يطل من خلاله على الدنيا، وصار منتدى أدبياً وعلمياً تبحث فيه مسائل العلم والفقه واللغة والأدب والتاريخ. وبات الشيخ - في آخر أيامه - ينسى بعضاً من شؤون يومه، فربما صلى الفريضة مرتين يخشى أن يكون نسيها، وربما نسي ما كان في اليوم الذي مضى، ولكن الله أكرمه فحفظ عليه توقد ذهنه ووعاء ذاكرته حتى آخر يوم في حياته. لقد صار أخيراً يتورع عن الفتوى مخافة الزلل والنسيان، ولكن الواقع أنه كان قادراً على استرجاع المسائل والأحكام بأحسن مما يستطعيه كثير من الرجال والشبان، وكان - حتى في الشهر الذي توفي فيه - تفتتح بين يديه القصيدة لم يرها من عشر سنين أو عشرين فيتم أبياتها ويبين غامضها، ويُذكَر العَلَم فيترجِم له، وربما اختُلف في ضبط مفردة من مفردات اللغة أو في معناها فيقول هي كذلك، فنفتح القاموس المحيط - وهو إلى جواره، بقي كذلك حتى آخر يوم - فإذا هي كما قال.
ومضت به على هذه الحال سنوات حتى كَلَّ قلبه الكبير، فما عاد قادراً على المضي بعد، فلما كانت آخر السنوات أدخل المستشفى مرات، وهو يشكو كل مرة ضعفاً في قلبه، وكانت الأزمات متباعدة في أول الأمر ثم تقاربت، حتى إذا جاءت السنة الأخيرة تكاثرت حتى بات كثير التنقل بين البيت والمستشفى. ثم أتم الله قضاءه فمضى إلى حيث يمضي كل حي، وفاضت روحه - عليها رحمة الله - بعد عِشاء يوم الجمعة، الثالث من ربيع الأول 1420هـ، الموافق للثامن عشر من حزيران، عام 1999م في قسم العناية المركزة بمستشفى الملك فهد بجُدة، ودفن في مقبرة العدل بمكة المكرمة في اليوم التالي بعد ما صُلِّي عليه في الحرم المكي الشريف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الذكريات: 1/133.
[2] الحديث عنه في: الذكريات 1/143.
[3] الذكريات: 1/144.
[4] الذكريات: 2/11، وتعريف عام، ص5.
[5] الذكريات: 8/35.