فهرس الكتاب

الصفحة 12673 من 19127

ومن هذا المنطلق؛ نحتاج إلى النَّظر في سِيَر الرِّجال وأحوال الماضين، لاسيَّما مَنْ ساروا على الطريق الصحيحة، ولم يحيدوا عنها قِيدَ أُنْمُلَة؛ حتى بلغوا المنزلة ونالوا الكرامة، رجال الصَّدر الأوَّل من هذه الأمَّة، الذين نشروا الإسلام، وصَدَقوا الوَعْد، وأوفوا بما عاهدوا؛ فرضيَ الله عنهم وأرضاهم، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

أيها الإخوة:

وهذه دروسٌ من حياة أحدهم، كان مشهورًا بالعقل والحكمة، موصوفًا بالزُّهد والعبادة. أصبحت أقواله منارًا للباحثين، وطريقًا للسالكين، أسلم وشَهِدَ أُحُدًا وما بعدها [1] ، وأخذ القرآن عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وكان من كتَّاب الوحي [2] . رحل في عهد عمر إلى الشام يعلِّم الناس القرآن [3] ، ويُذْكَرُ أنَّه أوَّل مَنْ سَنَّ حلْقات تحفيظ القرآن، وجاء في بعض الروايات أنهم عدُّوا مَنْ في حَلْقَته، فإذا هم يزيدون على ألفٍ وستمائة قارئٍ يعلِّمهم القرآن [4] .

ثم استعمل على القضاء؛ فكان أوَّل قاضٍ لدمشق، جاء الناس يهنئونه بالقضاء؛ فقال:"أتهنِّئوني بالقضاء، وقد جُعِلْتُ على رأس مَهْواةٍ مَزَلَّتُها أبعدُ من عَدَنَ أَبَيْنَ. ولو علم الناس ما في القضاء لأخذوه بالدُّوَل؛ رغبةً عنه وكراهيةً له، ولو يعلم الناس ما في الأذان لأخذوه بالدُّوَل؛ رغبةً فيه وحرصًا عليه" [5] .

ذلكم أبو الدَّرْداء عُوَيْمرُ بنُ عامرٍ الأنصاريُّ الخزرجيُّ [6] ، حكيم هذه الأمَّة كما في بعض المراسيل وأقوال السَّلف [7] . ثم كانت له أقوالٌ أكَّدت أن كلامَه كلامُ حكيم، قال - رضيَ الله عنه:"كنتُ تاجرًا قبل أن يُبْعَث النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلما بُعِثَ محمَّدٌ؛ زاولتُ التجارة والعبادة؛ فلم تجتمعا؛ فأخذتُ العبادة وتركتُ التجارة" [8] . فهو - رضيَ الله عنه - لما رأى أن التجارة تزاحم العبادة، ورأى من نفسه عدم القدرة على جمعهما؛ أقبل على الأفضل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت