وجاءه رجلٌ فقال: أوصني: فقال:"اذكر الله في السَّرَّاء؛ يذكركَ في الضَّرَّاء، وإذا ذكرتَ الموتى فاجعل نفسكَ كأحدهم، وإذا أشرفتْ نفسُكَ على شيءٍ منَ الدنيا؛ فانظر إلى ما يصير" [20] .
ومن وصاياه - رضيَ الله عنه - قوله:"اعبد الله كأنك تراه، وعدَّ نفسكَ في الموتى، وإياك ودعوة المظلوم، واعلم أن قليلاً يغنيك خيرٌ من كثير يلهيك، وأن البِرَّ لا يبلى، وأن الإثم لا يُنسى" [21] .
ومن حِكَمه في المال والغنى قوله:"أهل الأموال يأكلون ونأكل، ويشربون ونشرب، ويلبسون ونلبس، ويركبون ونركب، ولهم فضولُ أموالٍ ينظرون إليها وننظر إليها معهم، وحسابها عليهم، ونحنٌ منها برآء" [22] .
وقال:"الحمد لله الذي جعل الأغنياء يتمنُّون أنهم مثلنا عند الموت، ولا نتمنَّى أننا مثلهم حينئذٍ، ما أنصفنا إخوانُنا الأغنياء، يحبوننا على الدِّين ويعادوننا على الدُّنيا"! [23] .
وحكمته - رضيَ الله عنه - لم تقتصر على أمور الدين؛ بل إنه كان حكيمًا حتى في أمور الدنيا وتصريف الأموال، ومن ذلك قوله:"أعوذ بالله من تفرقة القلب. قيل: وما تفرقة القلب؟ قال: أن يُجْعَلَ لي في كل وادٍ مالٌ" [24] .
ومن حكمته أنه كان يقدم من الأدعية الأهم فالمهم، فقد أُوجِعَتْ عينُه حتى ذهبت؛ فقيل له:"لو دعوتَ الله؟ فقال: ما فرغتُ بعد من دعائه لذنوبي؛ فكيف أدعو لعيني؟!" [25] .
ينضُّم إلى هذا الفضل والحكمة: كثرة ذِكْرٍ وتسبيحٍ، وقد ذُكِرَ عنه أنه لا يَفْتُرُ منَ الذِّكْر، قيل له:"كم تسبِّح كلَّ يومٍ؟ قال: مائة ألفٍ، إلاَّ أن تخطئ الأصابع" [26] .
وكان يدعو لأصحابه كثيرًا؛ قالت أمُّ الدَّرْداء:"كان لأبي الدَّرْداء ستون وثلاثمائة خليلٍ في الله، يدعو لهم في الصلاة، فقلت له في ذلك؛ فقال: إنه ليس رجلٌ يدعو لأخيه في الغيب، إلاَّ وَكَّلَ الله به مَلَكَيْن يقولان: ولك بمثل، أفلا أرغب أن تدعو لي الملائكة؟!" [27] .