ثمَّ إنه كان مزكِّيًا لعلمه، يعلِّم الناس ويُقرئهم، وما أقبل الناس عليه إلاَّ لعلمه، ولأنه كان عاملاً بعلمه، فلا يَعْلَم شيئًا إلا عمل به على الفور. قال ابن إسحاق:"كان الصحابة يقولون: أتْبَعُنا للعلم والعمل أبو الدَّرْداء" [12] .
لقد كان - رضيَ الله عنه - موصوفًا بالعقل والحكمة، حتى إن ابن عمر - رضيَ الله عنهما - يقول:"حدِّثونا عن العاقلَيْن؛ معاذٍ وأبي الدَّرْداء" [13] .
ولا أدلَّ على عقله وحكمته من أنه كان يُديم التفكُّر والاعتبار.
سُئلت أمُّ الدَّرْداء:"أيُّ عبادةِ أبي الدَّرْداء كانت أكثر؟ قالت: التفكُّر والاعتبار" [14] . وكيف لا يكون دائم التفكر وهو القائل:"تفكُّر ساعةٍ خيرٌ من قيام ليلة"؟! [15]
ومن حكمته - رضيَ الله عنه - ما رواه أبو قِلابة:"أنَّ أبا الدَّرْداء مرَّ على رجل قد أصاب ذنبًا، وكانوا يسبُّونه؛ فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قَلِيبٍ؛ ألم تكونوا مُسْتَخْرِجِيه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبُّوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم. قالوا: أفلا نُبْغِضُه؟ قال: إنما أبْغَضُ عمله، فإذا تركه فهو أخي" [16] .
وقال - رضيَ الله عنه:"إني لآمركم بالمعروف وما أفعله، ولكن لعلَّ الله يأجرني فيه" [17] .
وكتب إلى خالد بن مسلم:"سلامٌ عليكَ، أمَّا بعد: فإنَّ العبد إذا عمل بمعصية الله أبغضه الله، فإذا أبغضه الله بغَّضه إلى عباده". ومن أقواله في العلم والتعلُّم قوله:"لنْ تكون عالمًا حتى تكون متعلِّمًا، ولا تكون متعلِّمًا حتى تكون بما علمت عاملاً. إن أخوف ما أخاف إذا وُقفتُ للحساب أن يُقال لي: ما عملت فيما علمت" [18] .
وخاطب الناس قائلاً:"ما لي أرى علماءَكم يذهبون، وجهَّالكم لا يتعلَّمون؟! تعلَّموا؛ فإن العالم والمتعلِّم شريكان في الأجر" [19] .