فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
هؤلاء هم صحابة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم ورضيَ الله عنهم وأرضاهم - وهذا أحدهم: كان فارس الإسلام، وليث المشاهد، وقائدَ الجُنْد المجاهدين، هاجر مسلمًا في السنة الثامنة للهجرة [2] ، فلقيه عمرو بن العاص في الطريق؛ فقال له:"إلى أين أبا سليمان؟ قال: أذهبُ والله أُسْلِمُ، إنه والله لقد استقام المَنْسَم - أي الطريق - إن الرجل لنبيٌّ ما أشكُّ فيه..." [3] .
شهد مؤتة والفتح وحُنَيْنًا، وحارب أهل الرِّدَّة، وغزا العراق، وشهد حروب الشام، وهدم العُزَّى فلا عُزَّى بعدها. قاتل الأعداء من كلِّ الأجناس، وصارع الأبطال، وبارز الشجعان، ولم يبقَ في جسده قيدَ شِبْرٍ إلاَّ وعليه طابع الشهداء، ثم بعد ذلك ما مات إلا على فراشه! فلا نامت أعين الجبناء [4] .
لما استُشهد قادة جيش مؤتة: زيدٌ ثم جعفرٌ ثم ابنُ رواحة - رضيَ الله عنهم وأرضاهم - أخذ الرَّاية ثابتُ بن أَقْرَم؛ فقال:"يا معشر المسلمين، اصطلِحوا على رجلٍ منكم. قالوا: أنتَ. قال: ما أنا بفاعلٍ، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد..." [5] .
حمل خالدٌ الراية، وما معه إلا بقية ثلاثة آلاف، ويحيط به من العدو مئتا ألف، وليس في الدنيا قائدٌ يستطيع أن ينقذ هذه القبضةَ من الرجال من وسط هذا اللُّج، إلا أن يأتيَ بأعجوبة؛ وقد أتى بها خالد، واستطاع أن يخرج من لُجَّة البحر من غير أن يبتلَّ، وأن ينسحب من وسط اللهب من غير أن يحترق، وأن يسجِّل للذكاء العربي الذي هذَّبه الإسلام هذه المَنْقَبَة في تاريخ الحروب [6] .
لقد عمل خطةً أنقذ بها الجيش من الإبادة، شهد قادة الأعداء قبل الأصدقاء أن تاريخ الحروب لم يسجِّل مثلها؛ إذ كان يقاتل وهو يحتال للخلوص بالجيش من هذا المأزق المتضايق. وقتالُ الانسحاب شاقٌّ ومرهقٌ، لاسيَّما وخالد لا يريد إشعار الروم بالحفاظ على الجيش وسحبه.