فهرس الكتاب

الصفحة 12695 من 19127

ويكفي دليلاً على شدَّة بأسه وإقدامه أنه قاتل في مؤتة قتالاً مريرًا، حتى تكسرت تسعةُ أسيافٍ في يده، لولا أنَّ البخاريَّ أخرج ذلك في"صحيحه"؛ لما كان يُصَدَّق [21] .

ويوم الوَلَجَة في حرب الفرس؛ جَبُن الناس عن فارسٍ كان يَعْدِلُ في الحرب ألف رجلٍ، فخرج إليه خالدٌ، فبارزه فصرعه.

وما جيشٌ قابلَ جيش خالدٍ إلاَّ كان مهزومًا، وما ذاق خالدٌ طعم الهزيمة، لا في الجاهلية ولا في الإسلام.

ولما وَلِيَ عمرُ الخلافة؛ خاف افتتان الناس بخالدٍ وانتصاراته، وعقله ودهائه؛ فعزله عن القيادة؛ ليُفْهِمَهُم أنَّ النصر منَ الله، وأنَّ الله ينصرهم بخالدٍ وبغير خالد؛ ليتَّكلوا على الله لا على بشرٍ، مهما سما وعلا شأنه. فأبى خالد إلا أن يضمَّ إلى انتصاراته العسكرية انتصاره على نفسه، فامتثل وأطاع، وصار جنديًّا تحت إمْرَة أبي عبيدة - رضيَ الله عنه - وقال قولته المشهورة:"إني لا أقاتل لعمر؛ ولكني أقاتل لربِّ عمر" [22] . فرضيَ الله عنه وأرضاه، وجعل الفردوس الأعلى مأواه.

وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثَّانية

الحمد لله، حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحبُّ ربنا ويرضى، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، والتَّابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

أما بعد:

فإن خالدًا - رضيَ الله عنه وأرضاه - لم يتخلَّف عن غزوةٍ منذ أسلم، وكان في طليعة جيوش المسلمين الجرَّارة، ومن أبرزهم حضورًا في المعارك الحاسمة، حتى شغله الجهاد عن كثرة قراءة القرآن. ونعم الشاغلُ الجهادُ في سبيل الله تعالى؛ قال قيس بن أبي حازم:"سمعت خالدًا يقول: منعني الجهادُ كثيرًا منَ القراءة" [23] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت