فهرس الكتاب

الصفحة 12694 من 19127

فأين خالدٌ وجيشُه يرون الروم تصول وتجول في أرض الله، وتأمر وتنهى، وتعاهد وتغدر، وتقاطع مَنْ تشاء! وتضرب مَنْ تشاء! متى تشاء!! بكل أمنٍ واستعلاء، وتَغَطْرُسٍ وكبرياء!! ولا يمنعها أحدٌ، بعد أن أضاع الخَلَف كثيرًا مما كان عليه السَّلَف؟!! فالله المستعان.

لقد كان أعداءُ خالد - رضيَ الله عنه - يعلمون قوة إيمانه، ويدركون حدَّةَ عقلِه ودهائه، ألبسهم ثياب الهزيمة ثوبًا من بعد ثوب، وجرَّعهم كؤوس الذلِّ كأسًا من بعد كأس، وعرفه الروم حقَّ المعرفة.

وفي معركة الفِراض قال الروم لخالد:"إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم. فقال خالد: بل اعبروا إلينا. قالوا: فتنحُّوا حتى نعبر. فقال خالد: لانفعل، ولكن اعبروا أسفل منَّا. وعندئذٍ قالت الروم والفرس بعضهم لبعض: احتسبوا مِلْكَكُم، هذا رجلٌ يقاتل عن دين، وله عقلٌ وعِلْمٌ، ووالله ليُنْصَّرَنَّ ولنُخْذَلَنَّ، فعبروا أسفل من جيش خالد، فاقتتلوا اقتتالاً شديدًا حتى هزمهم خالد وجندُه [17] ."

وفي معركةِ كاظِمة: نزل على غير ماءٍ، ثم أمر مناديه فنادى:"جالدوهم على الماء؛ فلعَمْري ليصيرنَّ الماء لأصْبَرِ الفريقَيْن، وأكرم الجندَيْن" [18] .

وكان - رضيَ الله عنه - لا يعتبِر بالكَثْرة قدر اعتباره بالصبر والتنظيم والإقدام؛ فمن مأثورات قوله:"إنما تكثرُ الجنودُ بالنَّصر، وتقلُّ بالخِذلان، لا بعدد الرجال [19] ."

ومع هذه القيادة والسِّيادة؛ لم يكن بذلك القائد الذي يوجِّه جنده ولا يُقْدِم، أو يخطِّط للمعركة ولا يقاتل؛ بل كان يستأثر دون جنده بالمخاطر، ويؤثرهم بالخير والأمان، ويحبُّ لهم ما يحبذُ لنفسه، وكان حبُّهم له يزداد كلما ازداد إقدامًا وبلاءً وشجاعةً، بدليل أن جندَه الذين قاتلوا معه المرتدِّين، وصاحبوه في قتاله في العراق والشام - عندما عادوا إلى العراق نسوا الفخر كله، إلاَّ فخرهم بأيامهم مع خالد - رضيَ الله عنه وأرضاه [20] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت