فهرس الكتاب

الصفحة 12693 من 19127

امتاز خالد - رضيَ الله عنه - في قيادة الجيش بحسن التنظيم، وسرعة الحركة، التي بَهَرَ بها عقول قادة الجيوش، العرب منهم والعجم؛ حيث انتقل بعشرة آلاف من الحِيرَة في العراق إلى الشام، مخترقًا الصحراء التي ليس فيها نقطةُ ماء، إلا ما حمله على ظهور الإبل، وما ابتكره من حمل الماء في بطونها؛ فحبس الإبل عن الماء حتى ظمأت، ثم أوردها عليه حتى ارتوت، ثم قطع شفاهها، فأصبح الماء في بطونها نقيًّا، ينحرون عددًا منها كل يوم؛ فيأكلونها ويشربون ما في بطونها من ماءٍ نقيٍّ [13] . كانت المسافةُ تقارب تسعمائة كِيلٍ، قطعها خالدٌ بجيشٍ جرَّارٍ في مدَّة لا تتجاوز خمسة أيام [14] .

إنَّ الواحد منَّا لو قطع هذه المسافة بعربته لاحتاج أن يرتاح من عناء سفره؛ ولكنَّ خالدًا وجيشه قطعها على ظهور الإبل تحت شمس الهاجرة، ووسط برد الليل، مع الجوع والعطش والخوف.

فلما وصل رأى أمامه جيشًا كثيفًا منَ الروم، وجيشًا أكثف منه يتجمَّع قريبًا منه، والمجموع مئتان وأربعون ألف مقاتل مدجَّجين بالسلاح، وجيشُ المسلمين لا يزيد على ستةٍ وأربعين ألف مقاتلٍ، سلاحهم ضعيفٌ، ومنزلهم بعيدٌ، والمدد عنهم منقطعٌ. فما شكا خالدٌ بعد رحلته تعبًا، ولا ابتغى راحةً؛ بل حمل التَّبِعَة كاملةً، وبادر إلى العمل، وجمع فصائل الجيش تحت قيادته، ونظَّمه فأحسن تنظيمه.

وعمد إلى الجيش الرُّوميِّ الأدنى، فضربه في أجنادين ضربةً أذهبت رَوْعَه، وأطارت صوابه، ومزَّقته شرَّ ممزَّقٍ.

ثم وَثَبَ إلى الجيش الآخر في اليرموك، ويوم اليرموك هو اليومُ الأغرُّ في سيرة خالد - رضيَ الله عنه - وهو من أيام الإسلام المعدودات [15] ، كسر فيه خالدٌ جيش الرُّوم القويِّ، وفرَّق شَمْلَه الكثيف، وولَّى الرُّوم مدبرين، ودخلت الشام في حظيرة الإسلام، بعد أن بكاها هرقل الروم وهو يقول:"عليكِ السَّلام.. سلامًا لا اجتماع بعده، ولا يعود إليكِ روميٌّ أبدًا إلاَّ خائفًا" [16] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت