فهرس الكتاب

الصفحة 12717 من 19127

فلله درُّهم، ما أعظمَ ورعَهم! وهذا الورع اقتضى شهادتهم بالإمامة لبعض أهل العلم في أبوابٍ من العلم مع تضعيفهم لهم في الرواية، كحفص بن سليمان إمام القراءة، والواقدي إمام المغازي والسير.

ولم يقتضِ ترك الرواية عنهم وتضعيفهم فيها، ترك أخذ العلم أو التحذير منهم، وإنما حذروا الناس منهم من جهة تحمل الرواية عنهم، وكان تحذيرهم في هذا السياق.

ولهذا تجد في كتب الجرح والتعديل الثناء على رجل ووصفه بالفقه، مع تضعيفهم له أو طعن بعضهم في روايته، كابن لَهِيعة القاضي ضعَّفوه في الرواية، وشهدوا له بالعلم والفقه، حتى قال شيخ الإسلام:"كان من أهل العلم والدين باتفاق العلماء" [3] ، وإذا قرأت في كتب التراجم وجدت عدداً من الفضلاء والقضاة قيل فيه: تكلموا فيه، ضعيف، متروك، كذبوه! مع أنهم قضاة ما رفعَهم إلى تلك المنزلة -في تلك العصور- إلاّ علمُهم وفقهُهم الذي لا ينازعون فيه.

وهذا يدل على أن جرحهم لهم كان في تحمل الرواية، لا في أخذ الفقه والعلم عنهم. وإن وقع كلام من بعضهم خارج هذا الصدد لم يكن محل قبول بمجرده، فكيف يكون حجة! قال الذهبي:"قد تكلم خلق من التابعين بعضُهم في بعض، وتحاربوا، وجرت أمورٌ لا يمكن شرحها، فلا فائدة في بثها، ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة! والعاقل خصمُ نفسه، (ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ، و (لحوم العلماء مسمومة) ، وما نقل من ذلك لتبيين غلط العالم، وكثرة وهمه، أو نقص حفظه، فليس من هذا النمط، بل لتوضيح الحديث الصحيح من الحسن، والحسن من الضعيف" [4] .

وإذا تبين هذا سقطت دعوى الطعن في بعض علماءِ ودعاةِ أهل السنة بحجة الجرح والتعديل من أصلها، فهل مَن يتحدثون اليوم بتلك الحجة غرضهم النمط الذي أشار إليه الذهبي؟ ولا سيما في هذه الأعصار التي دُوّن فيها العلم، ولم يعد ينتصب فيها للرواية أحد، وإن حصل شيء من هذا كان فَضْلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت