فهرس الكتاب

الصفحة 13142 من 19127

أما آخر الشعراء الذين يعرض لهم المؤلف في كتابه؛ فهو شاعر من شعراء العصر العباسي، لا يختلف كثيراً عن بشار بن برد، وهو حَمَّادُ عَجْرَد، الذي كان واحداً من كبار هَجَّائي عصره، وكانت بينه وبين بشار جولات كثيرة من الهجاء المتبادل، وتميز هجاء حماد بفحشه الشديد، وامتلائه بالألفاظ المستنكرة التي يأباها الذوق وتَمُجُّهَا الآذان؛ حتى بدا بشار أمامه شاعراً مهذَّباً، عفيف اللفظ، رقيق الصورة!!!.

وكما جمع بينهما الهجاء؛ اشتركا في المصير الذي صار إليه كل منهما، وهو القتل بسبب الشعر؛ فقد رأينا كيف قتل بشار بسبب هجائه للمهدي، وسترى هنا مصير حماد، وكيف قُتل بسبب تشبيبه بامرأة تسمى زينب بنت سليمان.

فقد كان محمد بن أبي العباس السفاح يهوى زينب؛ فخطبها فلم يزوجوه، وكان حماد صديقه ونديمه، فقال له محمد: قل فيها شعراً. فقال حماد على لسان محمد:

زَيْنَبُ، ماذَنْبِي؟ ومَاذا الذَّي غَضِبْتُمْ فيِه وَلَمْ تُغْضَبُوا؟!

وَاللهِ، ما أَعْرِفُ لِي عِنْدَكُمْ ذَنْباً! فَفِيمَ الهَجْرُ يا زَيْنَبُ؟!

إن كنت قد أغضبتكم ضلة فاستعتبوني إنني أعتب

عودوا على جهلي بأحلامكم إنني وإن لم أذنب المذنب

فلما بلغ هذا الشعر مسامع محمد بن سليمان -أخو زينب- نَذَر دمَه، وأصر على قتله؛ لكنه لم يستطع لمكانة حماد من محمد بن أبي العباس. فلما مات محمد؛ جَدَّ ابنُ سليمان في طلب حماد، فلم يجد حماد من يستجير به، فاستجار بقبر سليمان بن علي، والد محمد بن سليمان، وراح يمدحه ويمدح سليمان، فقال:

مِنْ مُقِرّ بِالذَّنْبِ [1] لَم يُوجِبِ اللـ ـهُ عَلَيْهِ بِسَىِّءٍ إقرارَا

يا ابْنَ بِنْتِ النَّبِيِّ إنِّيَ لاَ أَجْـ عَلُ إلاَّ إلَيْك مِنْكَ الْفِرارَا

يا ابْنَ بِنْتِ النَّبيِّ أَحْمَدَ لا أَجْـ عَلُ إلاَّ إليكَ مِنْكَ الفِرَارَا

غَيْرَ أني جَعَلْتُ قَبْرَ أَبِي أَيْـ يُوبَ لِي مِنْ حَوَادِثِ الدَّهْرِ جَارَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت