فهرس الكتاب

الصفحة 13204 من 19127

لقد كان أبو فهر صاحب بيانٍ لا يُجارى في دنيا الأدب، وأسلوب لا يُبارى في دنيا الكتابة، تقرأ له فتسمو نفسك وتعلو مشاعرك حتى تكاد تلامس نجوم السماء، يأسرك أسلوبه الجزل، ويروعك تركيب جمله وعباراته، ويبهرك روعة استشهاده وحسن تأتِّيه، ويخلبك تخيُّره لمفرداته وانتقاؤه لكلماته:

في نظامٍ منَ البلاغَةِ ما شَكْ كَ امرُؤٌ أنَّهُ نظامٌ فريدُ

بل يصح فيها قول القائل:

هيَ السِّحرُ الحلالُ لمُجتَليهِ ولم أرَ قبلَها سِحراً حَلالا

وإذا وقع الاختيار منه على كلمة غريبة أو غير مألوفة، لم يدعها حتى يشرحها، فإذا ما شرحها استبان لك أنَّ كل مرادفاتها التي قد تخطر في البال لا يمكن أن تفيَ بمعناها، أو أن تحِل محلَّها في بنيان ذلك التركيب. استمع إليه يبيِّن طبيعة ما سمَّاه (مَيدان ما قبل المنهج) : (( وأمرٌ النازلين فيه أمر شديد الخطر، يحتاج إلى ضبط وتحرٍّ وحذر، ولا يغرُرك ما غَرِي به(أي أُولع) بعض المتشدقين المموِّهين: أن القاعدة الأساسية في منهجِ ديكارت هي أن يتجرَّد الباحث من كلِّ شيءٍ كان يعلمه من قبلُ، وأن يستقبل بحثه خالي الذهن خلوًّا تامًّا مما قيل [في الشعر الجاهلي: 1] فإنه شيء لا أصل له، ويكاد يكون، بهذه الصياغة، كذباً مصفى لا يشوبه ذرو من الصدق (والذَّرو: دقيق التراب) ، بل هو بهذه الصورة خارج عن طوق البشر )) [2] .

نمط فرد في القراءة والنقد

وكان أبو فهر القارئ الفهم، والمتذوق الحصيف، والناقد المتبصِّر لإبداعات العرب في شتى فنون الفكر والتاريخ والأدب ولاسيما الشعر.

فقد نشأ مشغوفاً بالشعر، منهوماً بالأدب، كلفاً بالتاريخ، وسلخ شبابه يعمل في العربية حتى أمكنته اللغة من قيادها وألقت إليه بأسرارها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت