فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
(( ويومئذ طويت كلَّ نفسي على عزيمة حذّاء ماضية: أن أبدأ وحيداً منفرداً، رحلة طويلة جدًّا، وبعيدة جدًّا، وشاقّة جدًّا، ومثيرةً جدًّا. بدأت بإعادة قراءة الشعر العربي كلّه، أو ما وقع تحت يدي منه يومئذ على الأصح، قراءة طويلة الأناة عند كلّ لفظ ومعنى، كأنّي أقلِّبُهما بعقلي وأروزهما(أي: أزنهما مختبراً) بقلبي، وأجُسّهما جسًّا ببصري وببصيرتي، وكأني أريد أن أتحسسهما بيدي، وأستنشي (أي: أشُمّ) ما يفوح منهما بأنفي، وأسَّمّع دبيب الحياة الخفيَّ فيهما بأذني، ثم أتذوقهما تذوُّقاً بعقلي وقلبي وبصيرتي وأناملي وأنفي وسمعي ولساني، كأني أطلب فيهما خبيئاً قد أخفاه الشاعر الماكر بفنه وبراعته، وأتدسَّسُ إلى دفين قد سقط من الشاعر عفواً أو سهواً تحت نظم كلماته ومعانيه دون قصد منه أو تعمُّد أو إرادة )) [3] أي كلام هذا وأيُّ بيان ؟!!
قراءة لا تحقيق:
وكان أبو فهر المحقق الثبت الذي لا يُشقّ له غبار، بل كان شيخ المحققين كما نعته كثير من علماء عصره، وما أجمل ما وصفه به الأستاذ عباس محمود العقاد حين قال: (( هو على رأس المحققين لأنه أديب فنّان ) ) [4] . أخرج لقراء التراث أسفاراً لا يقوى عليها إلا أمثاله من فحول التحقيق، من أشهرها (طبقات فحول الشعراء) لابن سلاّم في جزأين كبيرين، و (تفسير الطبري) الذي حقق منه ستة عشر جزءاً في كل منها علم غزير هو علم الأوائل الفحول، و (دلائل الإعجاز) للجرجاني في مجلد ضخم ألحق به (الرسالة الشافية في وجوه الإعجاز وأسرار البلاغة) للجرجاني أيضاً، و (تهذيب الآثار) للطبري، و (جمهرة نسب قريش وأخبارها) للزبير بن بكّار.