فهرس الكتاب

الصفحة 13221 من 19127

أما معرفتُه بالعربية، ومقدرتُه على نظم الشعر؛ فيدل عليها ما أخرجه البخاريُّ في الصحيح، عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: (( لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ وُعِك أبو بكرٍ وبلالٌ، قالت: فدخلتُ عليهما فقلت: يا أبتِ! كيف تجدك؟ ويا بلالُ كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى، يقول:

كلُّ امرئٍ مُصبَّحٌ في أَهلِهِ والموتُ أدنَى من شِراكِ نَعْلِهِِ

وكان بلالٌ إذا أقلعَ عنه يرفعُ عقيرتَه [2] ، ويقول:

أَلا ليت شِعري هل أَبيتنَّ ليْلةً بِوَادٍ وحَوْلي إِذخَرٌ وجَلِيلُ

وهل أَرِدَنْ يوماً مِياه مَجنّةٍ وهل يبدوَن لي شَامَة وطَفِيلُ

قالت عائشةُ: فجئتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فقال: (( اللهمَّ! حَبِّبْ إِلَيْنَا المدينةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أو أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبارِكْ لَنَا في صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالجُحْفَةَ ) ) [3] .

ولئن أحب بلالٌ - رضي الله عنه - مكةَ المكرمةَ، وعَبَّر عن هذا الحب (بالشعر) ؛ فهذا يدل على أنها وطنه، وفيها نشأ، ومن نشأ في بلد أجاد لغة قومه وإن لم يكن أصله منهم، ولم يكن حبه لمكة بأكثر من حبه للنبي- صلى الله عليه وسلم - وبادله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحبَّ ذاتَه، فجعله أمينَ المال، ووَكَل إليه الأذانَ، والناسُ يعرفون فضلَ من يُنْتَدب إلى أمانةِ المال، وأمانةِ الأذان، فماذا لو كان المنتدِب هو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ ومن الصحابة من تمنى الأذان لنفسه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت