فهرس الكتاب

الصفحة 13361 من 19127

كانت عملية بناء الدولة في الداخل، بما فيها من حسم للخلافات والصراعات، وتأمين لكافة الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للناس، تسير بشكل متلازم مع تطوير القدرات العسكرية، وشنّ هجمات متتالية على العدو المجاور، حتى لا يتمكن من الاستقرار والراحة.

وقد رضخ صلاح الدين، في البداية، لسلطة نور الدين محمود المركزية في حلب، وقام بتطبيق الإصلاحات الإدارية والسياسية التي أمره بها [5] ، إلا أنه لم يلبث أن أخذ يستقل بأمور مصر، وبدأ خلاف خفي ينشأ بينه وبين نور الدين، يعززه خوفه من احتمال قيام نور الدين بعزله. وقد ضيّع هذا الخوف عدة فرص على المسلمين، حيث كان يفترض في صلاح الدين موافاة نور الدين إلى المملكة الصليبية وإحكام الطوق عليها من الشمال والجنوب، وكان نجاح هذه العملية مضموناً، في ذلك الوقت، بسبب ضعف الصليبيين وتفككهم، وبفضل الحشد الكبير الذي كان باستطاعة القائدين تأمينه من مصر والشام والعراق. ولكن صلاح الدين، الذي كان يتحاشى اللقاء لاستبعاد المواجهة مع نور الدين، كان يعود عن حصار الكرك والشوبك وغيرها، قبل وصول نور الدين إليها بوقت قصير، ويسير إلى مصر محتجاً بخوفه من غدر المصريين به حيناً، أو بمرض والده حيناً آخر [6] مما أضاع على المسلمين فرصاً استراتيجية هامة.

وبوفاة نور الدين محمود في العام 1174م، لم يبق، في الساحة العربية، منافس لصلاح الدين، يوازيه في الأهمية، وبرزت عندها أمامه مشكلتان استراتيجيتان أساسيتان، الأولى: لملمة أطراف الدولة من مصر إلى اليمن ومكة وليبيا والسودان، إلى الشام والعراق وبلاد الأناضول؛ والثانية كانت تتلخص بضرورة القضاء على المملكة الصليبية، وما يعنيه هذا من استعداد وتأهيل ذاتي.

الاستراتيجية العليا لدى صلاح الدين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت