فهرس الكتاب

الصفحة 13385 من 19127

يمضي شاعرنا عيسى جرابا إلى الوفاء بأعظم عهدٍ بعد عهد المسلم لربِّه، وهو عهدُ الإخلاص في العبادة، عهدُ التوحيد، يمضي إلى الوفاء للوالدَين..

أمَّا صفاتُ والده الذي يحاول أن يفيَه بعض حقِّه في رثائه، فهي كثيرةٌ؛ فهو زكيُّ النفس، ذو خلق كريم ورحمة وإحسان، وثابتٌ على الحقِّ بحكمة وهدوء، يرنو إلى العُلا بوجهٍ مشرق...

ولعلَّ تكرار (أبي رحلتَ) في عدة أبيات مع النداء المؤلم يُشعل فينا أحاسيسَ مفعمةً بالحزن، ويجعل المصيبةَ الواقعة أشدَّ أسى على النفس.

ونراهُ يمزج في أبياته بين التعابير الحالية والوصفية، ممَّا أفاض على القصيدة صُورًا تزخر بالوفاء للفقيد الحبيب؛ فنقرأ: (أبي رحلتَ وفي عينيَّ أسئلة ...) ، (أبي رحلتَ زكي النفس متشحًا ثوبًا ...) ، (أبي رحلت وقد خلَّفت منتظرًا ...) ، (أهفو إليك فؤادًا فاض مرحمة) . ومع هذا نجد أن شاعرَنا خانه التعبير في البيت الرابع حين قال:

وقامةً في ثَباتٍ للعُلا سَمَقَتْ وحِكمَةً لم يَشِنْها في الوَرى نَزَقُ

فهل تسمَّى الحكمةُ حكمةً إنْ شانها نزَقٌ ؟! وهل تكون حكمتُه متميِّزة من غيرها إذا ما برئت من النزَق ؟!

ظلال الوفاء

أمّا وقفتنا مع قضية: (ظلال الوفاء) فهي تبدأ من العنوان الذي يُضيف فيه دلالة حسيَّة لدلالة معنوية، إنّها حروفٌ مضيئة عن المبدع الذي غاب جسدُه وبقي أثره، ومن المحزن أنَّه لا يُعرَفُ فضله، ولا يكرَّم في حياته في كثير من أقطارنا، فإذا ما ارتحلَ جرت الأقلامُ في رثائه، وبيان قدره، وهذا جحودٌ لمكانته برغم الاستدراك الذي لن يُجدي:

راعَ قلبي ما رأى مِن دَهرِهِ حينَ أَخفى جَهرَهُ في سِرِّهِ

وبَدا مِيزانُه مُضطَرِبًا ما عَرَفنا خَيرَهُ مِن شَرِّهِ

كم بهِ مِن مُبدِعٍ أقلامُه هَطَلَت فِينا بسُقيا فِكرِهِ

فإذا بالكَونِ يَغلِي حَسَدًا تَتلظَّى نارُهُ في صَدرِهِ

لم ينَلْ إلاَّ سَرابًا إنَّما عاشَ صَقرًا لمْ ينَلْ مِن قَدرِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت