وإذا يومًا طَواهُ الموتُ كَم أعيُنٍ فاضَت أَسًى في إِثْرِهِ
عَجبًا يا أيُّها المبدِعُ مِن دَهرِنا بَل عَجَبًا مِن أَمرِهِ
لم يُفرِّقْ حينَ وافاهُ السَّنا مِن تُرابٍ شَعَّ أم مِن تِبْرِهِ؟
واستَوى مَن راحَ يُغْضي طَرفَهُ لكَ في إِكْبارِهِ أو كِبرِهِ
أيُّها المبدِعُ لا تيئَس وإنْ نالَكَ الدَّهرُ بِدامِي ظُفرِهِ
واحتَسِب إبداعَكَ السَّامي رُؤًى عندَ مَن يُعطيكَ أوفى أَجرِهِ
فلَكَ اللهُ، ومَن لاذَ بهِ نالَ ما يَرجُوهُ لو في قَبرِهِ
هذه القضيةُ الثقافية الاجتماعية التي تهزُّ الشاعر عيسى جرابا هي جديرةٌ بالتأمل حقًّا، لأنها تخصُّ كوكبة لها وزنُها المؤثر في المجتمع. وهي الكوكبةُ المبدعة التي لم تنل حقَّها ومنزلتها في كثيرٍ من مجتمعاتنا العربية، فأين الوفاءُ لها؟! وأين الوفاءُ لفكرها؟ وأين إظهارُ صوتها وإبداعها؟!
وتعدُّ هذه القصيدة جديدةً في موضوعها، وتوَجُّهها اللطيف، وخاتمتها التي تأوي إلى حسٍّ إسلاميٍّ في احتساب الإبداع عند الله؛ لأنَّه من الأعمال الصالحة إنْ أخلص النيَّة في مقاصده.. وبرغم هذه الجدَّة والتوجُّه فإن كثيرًا من أبيات القصيدة مثقلةٌ بالنثرية، وتخلو من وهَج الشعر في تجلِّياته وإيحاءاته، وانظر إلى قوله: (عجبًا أيُّها المبدع...) ، و (أيُّها المبدع لا تيئس ...) ، و (واحتسب إبداعك السامي...) ، و (فلكَ الله، ومن لاذ به...) ، و (ما عرفنا خيرَه من شرِّه...) وغيرها.
ومن لطائف الوفاء لدى شاعرنا الوفاءُ لذكريات الأمس، وما فيها من ذكريات الطفولة واللَّهو البريء، وتأتي قصيدة: (كيف أنساك؟) لتمثِّل إشراقات دافئة في مضمونها، وصورًا شعرية مبتكرة ومضيئة، لذا نُصغي إليه يقول:
مَن يَذُقْ لوعةَ الهوى ليسَ يَنسى لو غَدا قلبُهُ منَ الصَّخرِ أَقسى
يَرتَدي بُردةَ النَّهارِ خَلِيًّا ويُجافي مَضاجِعَ اللَّيلِ بُؤسا
ويُناجي النُّجومَ نَجمًا فنَجمًا ويَراها نَواطِقًا وهي خَرسا