فهرس الكتاب

الصفحة 13457 من 19127

ومثّل لذلك أيضاً بما رواه البخاري فِي"صحيحه" (6210) عن ابن عباس رضي الله عنه ما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً فِي الشمس. فقال: من هذا ؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل يريد أن يقوم فِي الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه".

فعلق على قصة أبِي اسرائيل هذه بقوله: (.. فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح: لم يُنهَ عنه؛ لكن لما فعله على وجه العبادة نُهي عنه..) .

ونحو ذلك تمثيله رحمه الله بحلق الرأس تعبداً، أو على وجه مباح؛ كما في"الاستقامة" (1/256) .

وقد قرر فِي المرجع المذكور (1/282) فِي رده على من استدل بسماع عبدالله بن جعفر على شرعية التقرب إلى الله بالقصائد الملحنة، بأنه لا يعده ديناً.

ولا يرد على هذا أن يُقال: إن الأناشيد يراد بها مقاصد شرعية؛ كالحث على أعمال الخير وترقيق القلوب فيُقصد بها - من هذا الوجه - القربة والتعبد؛ فهي بدعة، لا يرد هذا؛ لأن هذا التعبد إنما هو بمعناه العام لا معناه الخاص؛ كما تقدم تفصيله في الأدلة، ووجه تبديع أهل السماع بقصائدهم هو وجود حقيقة التعبد بالنية، أو بما يقارنها من أحوال تعبدية محضة؛ كالتطهر لها، أو دعوى حضور الملائكة؛ وغيرها مما مر آنفاً؛ مما لا يوجد في الأناشيد موضع البحث: من نية التعبد بها، أو قرائنه.

ولا يخلو الحال في إطلاق وصف البدعة عليها من اعتبار أحد أمرين: أحدهما: التلحين، والثاني: مقصد ترقيق القلب؛ فإن قيل: إن السبب هو التلحين فيُقال: إن المواعظ يراد بها ترقيق القلوب وقد لُحِّنت؛ كما فعله بعض العلماء في خطبهم، ولم تُعتبر بدعة. وإن كان السبب في الشعر الموزون المقفى فقد قاله الصحابة وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُقصد به إلا الحكمة، أو ترقيق القلوب.

فظهر بذلك أن مراد العلماء هو الحكم ببدعية الحداء المقترن بقصد التعبد المحض، أو وجود صورة العبادة؛ كما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت