إني لأعجب من بعض المتزهدة والمتنسكة ممن أهمل منظره، وترك تعاهد ثيابه، وترهَّب فيما يبدو للناس، كيف يغفلون عن الطبائع السوية، والسنن الرضية، القاضية بحسن النظافة والطهارة، ويبدو أن هذه الغفلة ليست حادثة، بل الخلل في هذا قديم، فقد قال أيوب السختياني -وذُكِرَ له هؤلاء الذين يتقشفون-:"ما علمتُ أنَّ القذر من الدين"اهـ، وقد انتقد هذه الظاهرة، وردَّ على أصحابها فأحسنَ الرد؛ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه: تلبيس إبليس، وقسَّمهم إلى قسمين: لصٍّ ليلي، ولصٍّ نهاري !، وأبو العباس ابن تيمية في رده على القلندرية من غلاة المتصوفة.
أين يُذهب بهؤلاء المتظاهرين باتباع السنة عن السنن الثابتة عن سيد ولد آدم - عليه الصلاة والسلام - من تعاهد ذلك كله، وقد صرح بأنه حبب إليه من الدنيا: النساء والطيب، وفي قصة التحريم المذكورة في مطلع سورة التحريم، لم تجد أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن - شيئاً يهمُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل أن يقلن له إن فيك ريحاً غير طيبة، وكنَّ يعلمن أنه يشتد عليه أن توجد منه الريح، فقلن له ما قلن، فبلغ منه الغم مبلغاً عظيماً، هذا وهو مجرد كلام، والقصة مخرَّجة في الصحيحين، فأين من هذا من يدعي اتباع سنته، ويخالفه في هديه.
رأيتُ في بعض زياراتي إلى بلاد الهند بعض نساك الهنادك، وهم قد توشحوا بالأسمال الرثة، ولبسوا الأزُر والأردية، ولطَّخوا جباههم بالطين، ونشروا شعورهم، يمشون حفاةً في الطرق والمطارات، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فلله تعالى الحمد أن عافانا من هذه الآصار والأغلال.