لقد جاءت هذه الشريعة بأكمل الهدي وأصلحه للإنسان، حتى إن المحرم وهو في حال يُطلب منه التبذل والتجرد من الثياب المعتادة، يؤمر بتعاطي الأسباب المزيلة لما يُستقذر عادة، من تعاطي الغسل بالأُشنان والسدر، واستعمال ما يقطع رائحة العرق من ذريرة ونحوها، ثم التضمخ بالطيب في بدنه، واستعمال ما يسكن الشعر بتلبيده بالعسل وما شابه، كل ذلك صيانة للهيئة الإسلامية، حتى لا تخرج هيئة المسلم عن هيئة الآدميين، إلى ما يشبه هيئة السباع المتوحشة.
المتأمل في سير العلماء الكبار، يجدهم قد امتازوا عن غيرهم من العوام وجهلة المتنسِّكة بالعناية بالمظهر، وتعاهد سنن الفطرة، ونقاء الأردان، وطيب الريح، وفي عصرنا هذا لم تكن ترى الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز - رحمه الله - إلا وهو في غاية التأنق، يعبق منه أطيب أنواع العود والغالية، يرتدي شماغ البسام الجيد النسج، الحسن الطرق، وثوباً أبيض ناصع البياض بلا رقبة، وعباءةً عودية اللون من الصنف الفاخر، إلا أنها مشمرة فوق الكعبين، تزين وجهه لحية لطيفة، لا تكاد تُرى إلا مخضبة بلون الحناء والكتم، ومع هذا يكون في غاية التواضع ولين الجانب.
وكذا كان تلميذه الشيخ العلامة محمد بن عثيمين - رحمه الله - إلا أنه كان أكثر تقشفاً في المرأى من شيخنا ابن باز، كان ابن عثيمين بسيطاً في ملبسه إلا أنه يشع بياضاً ونقاءً، أبيض اللحية إلا أنه منوَّرٌ مليح الشيبة، كان يرتدي غترةً بيضاء ناصعة البياض، لا تكون مكوية كياً جيداً في كثير من الأحيان، ولم أره يلبس الشماغ الأحمر قط، بخلاف ابن باز فلم أرَه يرتدي الغترة البيضاء قط، وكان ابن عثيمين يشتمل بعباءة نظيفة مشمرة، ولا تجد منه إلا دهن العود وأرج المندل الهندي، وهكذا سائر العلماء الذين أدركتهم وخالطتهم.