فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أين هذا من أناس يؤذيك منهم وضر المنظر، وخبث الريح، إذا جالست عالماً، أو شهدت صلاة الجماعة، أو حضرت مجمعاً، لا تنفك تجد من بعض الواردين غمراً، أو درناً، أو خبثاً في ريح، أو انتشاراً في هيئة، وإذا نُصح أحدهم أجاب بجواب بعض المتصوفة حين قيل له: ألا تسرح لحيتك ؟، قال: إني عنها لمشغول، [ذكره ابن الجوزي في تلبيس إبليس (193) ] .
لاريب أن التساهل في النظافة والطيب خروجٌ عن حدِّ الإنسانية، وانحدار إلى أولى درجات البهيمية، زاد في الدروشة ما زاد، ذلك أننا نرى أن التنزه والتنظف والتطيب على جهة التمام من خصائص الآدميين الكُمَّل، وكلما كانت النفس أكمل كانت الريح المنبعثة منه أطيب، ولهذا إذا فارقت الروح جسد الإنسان أنتن، ومن ثم سمَّت العرب النسَم وهو الهواء الخارج من الفم ريحاً، لخروجه من الروح، فقاربوا بينهما بالاشتقاق لتقارب معنييهما، كما سموا - أيضاً - الدم الخارج من الإنسان: نفْساً، ويسمون المرأة إذا ولدت وخرج منها الدم: نفساء، لهذا المعنى.
ولهذا أيضاً كانت أجساد الأنبياء - عليهم السلام - أطيب الأجساد، وكان عرق النبي - صلى الله عليه وسلم - أطيب الطيب، جعلت أم سليم تسلت عرقه وتصبه في قارورة، تطيب به أبناءها، وذلك لطيب روحه الشريفة.
وكان نافع المدني القارىء إذا تكلم يُشم من فيه رائحةُ المسك، وكان أسود اللون، فقيل له: كلما قعدت تتطيب ؟، فقال:"ما أمس طيباً ولا أقربه، ولكن رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام وهو يقرأ في فمي، فمن ذلك الوقت يُشم من فيَّ هذه الرائحة"اهـ [معرفة القراء الكبار؛ للذهبي (1/108) ] .