فهرس الكتاب

الصفحة 13498 من 19127

هذا؛ ولما كانت القِرَدَة أشبه شيء بتصرفات الإنسان؛ حتى إنها امتازت بالنباهة والفهم السريع مثله، وإذا أُلقيت في الماء غرقت كالإنسان الذي لا يحسن السباحة، لهذا الشبه كانت أشد البهائم تعاهداً لنظافة أنفسها، وكثيراً ما تُرى جماعات القردة ينظِّف بعضُها بعضاً، وتتفالى أي يفلي بعضها بعضاً.

نعم؛ إنه لتمرُّ على المرء أوقات يضطر إلى أن يخالط شيئاً من الدرن في ثوبه أو جسده، بسبب قدوم من سفر بعيد، أو إصلاح عطل في سيارته ونحو ذلك، فالواجب عليه أن يتحاشى اللقاء بالناس حتى يميط الأذى عنه، وقد انخنس أبو هريرة - رضي الله عنه - عن ملاقاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ببعض الطريق، إذ كان جنباً، حتى قال له:"سبحان الله إن المؤمن لا ينجس"، كما في البخاري، على أن سيد ملائكة السماء جبرائيل - عليه السلام - قد علمنا كيف يكون قدوم المسافر، حين دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر !.

والشريعة جاءت بالأمر بذلك على وجه الاعتدال والاقتصاد، فكما أن إهمال تعاهد البدن والثوب مذموم، فإن المبالغة في التنظف، والتشدد في الاحتياط فيه مذمومة أيضاً، لأنه حينئذٍ يكون وسواساً أو تنطعاً وتكلفاً، أو مضاهاة لليهود، وقد قال تعالى: { وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ } [سورة ص (86) ] ، ولما دخل حذيفةُ وسلمان - رضي الله عنهما - على امرأةٍ أعجمية، قالا: أهاهنا مكانٌ طاهرٌ نصلي فيه ؟، قالت: طهِّر قلبك، وصلِّ حيث شئت، فقال أحدهما لصاحبه: فقهت، [أخرجه ابن أبي شيبة (7/122) ، ولعبد الرزاق نحوه (1/412) ] ، وقوله: فقهت: أي حين علمت أن طهارة القلب هي الأصل، لا أن طهارة المحل غير لازمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت