ولكن أتباع عيسى عليه السلام وهم النصارى ما لبثوا إلا يسيرا حتى بدأ الانحراف يدب فيهم، ولم يبق على التوحيد منهم إلا طائفة قليلة؛ إذ بعد ثلاثة قرون من رفع المسيح عليه السلام أعلن حاكم الروم قسطنطين عقيدة التثليث عقيدةً موحدة للنصارى، ودخلت الأمة الرومانية في النصرانية المحرفة، وهرب الموحدون من أتباع عيسى عليه السلام في البراري والأدغال خوفا من بطش أهل الشرك والتثليث.
وابتنيت الكنائس في مدينة القدس وغيرها على هذه العقيدة الشركية، وأقيمت فيها التماثيل، وصورت فيها التصاوير التي تناقض دين المسيح عليه السلام.
وظل مسجد داوود عليه السلام سورا خاليا لا بناء فيه، ولما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم، وأسرى به إلى المسجد الأقصى، وأمَّ فيه الأنبياء عليهم السلام كان ذلك إيذانا بانتقال الحق في المدينة المقدسة من النصارى إلى المسلمين، وتم ذلك في فتوح الشام في عهد عمر رضي الله عنه، الذي رحل من المدينة إلى بيت المقدس ليتسلم مفاتيحه من كبار النصارى، ودخلت المدينة المقدسة ومسجدها -مسجد داود عليه السلام- في حظيرة الإسلام، وشرع شد الرحال إلى مسجدها كما شرع لحرمي مكة والمدينة، ولا حقَّ فيها لغير أهل الإسلام بناء على أنها من حق من يقيم دين الله تعالى، ولا دينَ حقا بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلا دينُ الإسلام، وأما اليهود والنصارى فانحرفوا عن شرائع أنبيائهم، فكان المسلمون أولى بأنبيائهم عليهم السلام منهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود (نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ) متفق عليه. وفي شأن عيسى عليه السلام قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا أَوْلَى الناس بِابْنِ مَرْيَمَ) متفق عليه. وعيسى عليه السلام حين ينزل آخر الزمان فإنه يقاتل اليهود والنصارى على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحكم بين الناس بها.