فهرس الكتاب

الصفحة 13517 من 19127

يحتوي أيضاً مخلوقات أخرى ليس في مُكنة الإنسان التعرف على حقيقتها أو حتى العلم بوجودها، ووجود الإنسان فيه لا يعدو أن يكون ذرة صغيرة لا تكاد تذكر أمام عظمة هذا الكون واتساعه.

وبهاتين الحقيقتين تتكامل رؤية المسلم للكون المحيط، فهو مدرك تماماً لمكانته المتميزة بين جميع المخلوقات، حيث جعله الله - تعالى - مركز الوجود الذي تُسخر له معظم الموجودات الأخرى، وهو في الوقت نفسه مدرك لحقيقة استغلاق بعض الأبواب عليه، وأن قدراته العجيبة مهما بلغت من سمو فإنها لن تطرق تلك الأبواب، ولكنه مع ذلك مدعوّ إلى البحث والفضول؛ فقد حث القرآن الكريم على التساؤل والنظر، وهذا ما فهمه إبراهيم الخليل - عليه السلام - عندما سأل ربه أن يريَه كيفية إحياء الموتى، لعلمه بأن التطلع إلى معرفه هذه الأسرار لا يتناقض والإيمان بها على الرغم من استغلاقها.

النتيجة:

بهذا الإيمان يتصالح المسلم مع خالقه ونفسه والكون الذي من حوله، فهو مدرك أولاً لحقيقة عبوديته لله - تعالى - وقائم بما يلزم عنها من واجبات، ومدرك ثانياً لقيمة نفسه كمخلوق أكرمه الله بتسخير الكائنات له، وأنه قد هبط إلى الأرض ليمتحن فيها قبل أن يعود إلى الجنة التي خُلقت له، فهو مكلف بإعمار هذه الأرض {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] ، ومكلف أيضاً بترويض نفسه للأخذ من الشهوات ضمن قيود الشرع وحدود الحاجة.

فإذا انتهينا إلى هذا الفهم المتكامل للخالق - سبحانه - وللنفس والكون، فقد حقّ لنا الآن أن نتساءل عن النتيجة العملية التي يمكن أن نجنيها من تطبيق هذا المفهوم، ولعل خير إجابة عن هذا السؤال تتخلص في استقراء الواقع الذي عايشه أشخاص سبق لهم أن طبّقوه، ولن نجد مثالاً أفضل من الصحابة - رضي الله عنهم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت