لقد نشأ الرعيل الأول من أمة الإسلام على تربية قرآنية فريدة؛ فهي لا تقتصر في عرض المفهوم الشامل للوجود -السالف بيانه- على الجانب الفكري فحسب، بل تخاطب كُلاً من العقل والوجدان في تناسق بديع معجز، وقد لخص أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - هذا المنهج في وصيته لخليفته عمر بقوله"ألم تر يا عمر، إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة، ونزلت آية الشدة مع آية الرخاء، ليكون المؤمن راغباً راهباً، لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيديه" [7] ، فكان الصحابة يقرؤون القرآن على حال من الرغبة والرهبة، وقلوبهم تتفطر شوقاً إلى لقاء الله وخوفاً منه في آن معاً [8] . وكان القرآن الكريم يتنزل تبعاً لتدرجهم في هذه التربية، فبعد أن انتصروا في أول غزوة لهم في بدر ووجدوا بين أيديهم الكثير من الغنائم، وكانوا قد تركوا لقريش أموالهم وهاجروا إلى يثرب محتسبين أجرهم على الله، عندها تنازع الشيوخ الذين بقوا تحت الرايات مع الشباب المحاربين في اقتسام الغنائم، فما أن لجؤوا إلى رسول الله ليقسم بينهم حتى تنزل الوحي ينهرهم {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للهِ والرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ. إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ. الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. أُولئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاً لهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 1-4] ، عندئذ ارتدعوا جميعاً -رضي الله عنهم- وتركوا الغنائم للرسول فرحين بنصر الله تائبين إليه، وما أن عادت الطمأنينة إلى قلوبهم الطاهرة، وطردوا عنها علائق الدنيا حتى تنزل الوحي