فهرس الكتاب

الصفحة 13619 من 19127

ولقد شَرُفتُ بمجاورة الأستاذ عاصم في حيِّ الورود بمدينة الرياض، في آخر سنةٍ من سِنيْ إقامته فيها، وكنتُ كثيرًا ما ألقاهُ بعد صلاة الجمعة في جامع عليِّ بن أبي طالب بحيِّنا، فيتكرَّم عليَّ بجَلسة قصيرة يُؤنِسُني فيها بإيراد أطرافٍ من ذكرياته المشرقَة، ومن تلك الذِّكريات أخبارٌ وقصصٌ عن ندوة أبيه يقصُّها عليَّ ويُنبِئُني نبأها، وعَيناهُ تَرَقْرَقان حَنينًا إلى تلك الأيام الخَوالي، وإلى أولئكَ النفَر الكريم من الرجال العِظام الأعلام، الذين قلَّ أن يَجودَ بأمثالهم الزمان.

ومن حديث تلك المجالس: أن الشيخَ بهجة وأهلَ ندوته تعاهَدوا ذات يومٍ على ألا يتكلَّموا إلا شِعرًا، ولا يُسمَح لأحدٍ أن يَنْبِسَ بكُلَيمة في غير شِعر، وحقًّا مضَت الجلسةُ كلُّها يناقشون فيها مسائلَ من العلم، ويتجاذبون أطرافَ الحوار بالشِّعر والشِّعر فقط، لم يقصِّر أحدٌ منهم أو يُفَرِّط. ومن تلك الذكريات: بعضُ ما كان يدور في رحلات أبيه وأصحاب أبيه، ومن ذلك أنَّهم مَضَوا مرةً في رحلة إلى تُركيَّا، وركبوا ثَمَّ سفينةً في بحر أوبُحَيرة، وكان الشيخُ عز الدين التنوخي قاعدًا على حافَةِ السفينة في مُقَدَّمَتها، فأقبل عليه الأستاذُ عاصم وبرفقته خِدْنُ شبابه وزميلُ دراسته الجامعيَّة - الذي غَدا اليومَ عالمًا كبيرًا وأديبًا مَرْموقًا - د. عبدالكريم الأشتر، وسأل الأشترُ الشيخَ عن رأيه بصديقه بهجة البيطار، فأجابَ على البديهَة عفوَ الخاطر: (الشيخُ بهجَةُ بهجَةُ الأشْياخِ) وسكت هُنَيهَةً ثم أكمل: (وإذا تُؤاخي فمثلَ بهجةَ آخِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت