ويقول أيضاً: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1] .
محمد - صلى الله عليه وسلم - أعبد الناس لله، وأشدهم له خشية.
يقول الله له: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] .
يعني الموت لا كما قال المنحرفون: اعبد ربك حتى تتيقن بوحدانيته ثم اترك العبادة، وقد كذبوا على الله، إنما المعنى: اعبد ربك في الشتاء والصيف، في الحلِّ والترحال، في الصحة والسقم، في الغنى والفقر، حتى يأتيك الموت.
{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: 1-5] .
يا أيها المزمل قم لإصلاح الإنسان، يا أيها المتدثر في لحافه، قم لهداية البشرية، يا أيها المزمل في فراشه، قم لهداية الإنسانية، فقام - صلى الله عليه وسلم - ثلاثاً وعشرين سنة، ما نام ولا استراح، أعطى الإسلام دمه ودموعه، أعطى الدعوة ماله وكيانه، أعطى الإسلام ليله ونهاره، فما نام ولا فتر ولا هدأ، حتى أقام لا إله إلا الله.
يأتيه الحزن والهم والغم، فيقول: (( أرحنا بها يا بلال ) ) [1] أي: بالصلاة، تأتيه المصائب والكوارث فيقول: (( أرحنا بها يا بلال ) )تأتيه الفواجع والزلازل فيقول: (( أرحنا بها يا بلال ) )يموت أبناؤه وأحبابه وأصحابه، ويقتل جنوده، ويهزم جيشه، فيقول: (( أرحنا بها يا بلال ) ).
يقول - صلى الله عليه وسلم: (( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) ) [2] ما كان يرتاح إلاَّ إذا قام يصلي، إذا قال الله أكبر، كبر بصوت تكاد تنخلفع لصوته القلوب، فيضع يده على صدره فيكون الله أعظم من كل شيء؛ لأنه الكبير - سبحانه وتعالى - فيقف متواضعاً متبتلاً متخشعاً متذللاً أمام الواحد الأحد.