روى ابن أبي حاتم أنه - صلى الله عليه وسلم: كان يمر في ظلام الليل يتفقد أصحابه، كيف كانوا يصلون، وكيف كانوا يدعون، كيف كانوا يبكون، فسمع عجوزاً تقرأ من وراء الباب وتبكي، عجوز مسنة، تقرأ قوله - تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1] تبكي وتعيد الآية وتبكي، فوضع رأسه على الباب وبكى - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: (( نعم أتاني، نعم أتاني ) )هذه عجوز ضعيفة، فأين شباب الأمة، أين أهل القوة والعضلات، أين أهل البروز والإجادة؟
إن القويَّ هو القويُّ في طاعة الله، وإن المفلح هو السائر في طريق الله، وإن المتقدم هو المتقدم إلى مرضاة الله، إذا علم هذا فإنه - صلى الله عليه وسلم - في جانب الذكر كان أكثر الناس ذكراً لله - تبارك وتعالى - نفسه ذكر لله، وفتواه ذكر لله، وخطبه ذكر، وكلامه وليله ونهاره، وحركاته وسكناته ذكر لله - تبارك وتعالى.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يتهجد قال:
(( اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق وقولك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) ) [10] .
وعن عائشة - رضي الله عنه - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل افتتح صلاته:
(( اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) ) [11] .