فهرس الكتاب

الصفحة 13658 من 19127

قرأها بشرح ابن الأنباري, وكان معجباً بها, مفتوناً بصورها, مذهولاً بفلسفتها, بل كان يعدُّها أبدعَ ما قيل من شعرٍ في فلسفة الموت, وتصوير لوعة المفجوع به. حتى إذا أتى على آخرها فجَأَنا بالقول: إن هذه القصيدة آخرُ ما أقرأ عليكم, ولن أقرأ بعدها شيئاً, بل سأكتفي بالاستماع إليكم, ففيكم علماء أجلاء, يُستفاد من علمهم, ويُنصَت إليهم, وكان يخصُّ أخانا الدالي بالإجلال والتقدير - وهو أهل لذاك - وكثيراً ما طلب إليه مراجعة قضايا في اللغة والنحو والتحقيق. ولم يدُر بخَلَدِنا آنئذٍ أن كلام الشيخ هذا قرارٌ لا رجعةَ فيه, ولقد حاول بعض روَّاد المجلس أن يثنيه عن عزمه, ولكنه أصر!.

وهكذا كان..ففي الأسبوع التالي قرأ أخونا الدالي مبحثا له كان كتبه يردُّ على من خطّأ المعري في قوله:

تعبٌ كلُّها الحياةُ فما أَعْـ جَبُ إلا من راغبٍ في ازدِيادِ

وحضر الشيخ البسيوني, ولما انتهى المجلس التفت إليّ قائلاً: وأنت ما موضوعُك عن القرآن, زوِّدني بالآيات التي تريد تناولها كي أناقشك فيما سوف تقول, فقلت:لقد قذفت في قلبي الرعبَ ياسيدي! فأردف قائلاً: لابأس عليك, ولكن إياك أن تقرأ بحثك في الأسبوعين القادمين, فأنا على سفر, وسأعود إن شاء المولى لأستمع إليك وأناقشك.

وطويت نفسي يومئذٍ على تهيُّب جميل!

فما أصعب أن تلقي بحثاً يناقشك فيه رجل كالبسيوني بعلمه وقامته!

وما أجمل أن تلقي بحثاً يحثّك عليه ويشرِّفُكَ بحضوره رجل كالبسيوني بفضله ونبله!

ورحت أهيئ نفسي, وأعد العُدَّةَ ليوم اللقاء, ولكن هيهات..!

لم يكن ثمة يوم ولا لقاء, بل كان يومٌ.. ولالقاء! وكان مجلس.. بلا إشراق! مجلس خيم عليه الحزن..وغشيته الكآبة..وحُفَّ بلوعة الفراق..

فقد نعى الناعي أبا تميم.. وانهدَّ من جبال العلم جبل ..وثلمت في الإسلام ثلمة..!

بانَ الخليطُ برامَتَين فودَّعوا أو كُلَّما جَدُّوا لبَينٍ تَجزَعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت