فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومع ذلك لم ينحَزْ"علي"لكل ما جاء بالتراث لمجرد أنه قديم، ولكنه -مثلا- مع إعجابه بقصيدة أبي فراس الحمداني [16] "أراك عصيَّ الدمع"يرفض قوله:"إذا مت ظمآناً فلا نزل القطرُ"، يقول الطنطاوي: انظروا كم بين قوله هذا وبين قول المعري [17] :
فلا نزلت عليَّ ولا بأرضي سحائبُ ليس تنتظم البلادا
أبو فراس ينحط إلى أدنى دركات الأثرة والأنانية، لا يرتفع درجة فيهتم بأهل ولا ولد، ولا يرتفع درجة أخرى فيهتم ببلد أو وطن، إنه لا يبالي إلا بنفسه، فإذا مات عطشاناً فلينقطع المطر ويحترق الزرع ولتقفر الأرض وليعم القحط وليهلك القريب والبعيد والصديق والعدو، ولا يبقى أحد!.
والمعري يرتفع إلى أعلى درجات الإيثار فلا يرضى أن ينزل المطر عليه ولا على أرضه، لا يرتضي إلا غيثا عامًا يشمل خيره البلاد والعباد" [18] ."
لكن حكم"الطنطاوي"هنا قد جاء قاسيا على"أبي فراس"حين انتزع شطر بيته هذا من بقية القصيدة التي نظمها، والظروف التي كان يعيشها حينئذ، فقد كان أبو فراس أسيرًا في سجن القسطنطينية، وطال به الأسرُ في قبضة أعدائه، وهو ينتظر افتداء ابن عمه -سيف الدولة أمير حلب حينئذ- له، والأخير ينساه وينشغل عنه، فانطلقت هذه الكلمات آهاتٍ حادة تستصرخ وتنادي بافتدائه.
وإذا أخذنا بالاعتبار أن التعابير الشعرية قد يُقبل فيها من المبالغة ما لا يُقبل في غيرها؛ فإنه يبدو لنا عذر أبي فراس فيما يقول. كما أن الناقد لا يستطيع أن يحكم على سيرة شاعر من شطر بيت قاله، دون النظر إلى عموم أشعاره ومبادئه التي تبناها في مسيرة حياته.
بعض سخريات الطنطاوي الهادفة:
للطنطاوي كتاب طريف وثري بعنوان"صور وخواطر"ضمنه -في جزء منه- مقالاتٍ نقديةً بأسلوب مبتكر وساخر ومشوق في الوقت نفسه، استطاع من خلاله أن يوصل إلى قارئه ما يريد مع إشاعة روح الفكاهة والمرح في هذا الجو النقدي الأدبي الفريد.