بقيَ أن نَذْكُرَ لقُرَّائنا كلمة (الكاهن) التي وَرَدَتْ فِي القرآن، ثم ننتَقِلُ بهم إلى معنى (سجع الكُهَّان) ، موجِزِينَ في ذلك، غيرَ ناظرين إلى رأي الأستاذ فيما نقوله؛ فإنَّ المعنَى العامِّيَّ الذي فَهِمَهُ من هذه الكلمة يَجْعَلُ بيننا وبينه سَدًّا مُحْكَمًا.
فالذي ورد في القرآن آيتانِ، إحداهُما في سورة الطُّورِ؛ وهي قولُه تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ} [الطور: 29-31]
والأخرى في سورة الحاقَّة: {فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} {الحاقة: 38-43} .
ومن أسباب نزول هاتين الآيتينِ أنَّ الوليدَ بنَ المُغِيرَةِ اجتمع ونفرٌ من قريش، وكان ذا سِنٍّ فيهم، وقد حَضَرَ المَوْسِمُ، فقال: إنَّ وُفود العرب ستَقْدَمُ عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم؛ فأَجْمِعُوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا؛ فيكذِّبَ بعضكم بعضًا، ويردَّ قول بعضكم بعضًا. فقيل: يا أبا عبدشمس، فقُلْ وأَقِمْ لنا رأيًا نقوم به، فقال: بل أنتم، فقالوا: نقول مجنونٌ! فقال: ما هو بمجنون، ولقد رأيتُ الجُنون وعرفناه، فما هو بخَنْقِهِ ولا تَخَالُجِه [2] ولا وَسْوَسَتِهِ، فقولوا أسمع، فقالوا: نقول كاهنٌ! فقال: ما هو بكاهنٍ، رأيت الكُهَّان، فما هو بزَمْزَمَةِ [3] الكُهَّان، فقالوا: نقول شاعرٌ... إلخ. وسنعود بعدُ إلى تفسير هاتين الآيتَيْن مع هذا الحديث.