وتمثلت أمامي وأنا غارق في لهيب الندم كل فضائل رمضان.. من مضاعفة الحسنات، وفتح أبواب الجنان، وغلق أبواب النيران، وتصفيد الشياطين.. وغفران ما تقدم من الذنوب لمن صام وقام رمضان إيماناً واحتساباً.. والعتق من النار، وفضيلة ليلة القدر ونزول الملائكة.. وصرت أتخيل بواقعيةٍ عِظَمَ الخسارة والغبن الفاحش الذي وقعتُ فيه.. عندها جاءني الشيطان قائلاً: مهلاً أيها النادم فلئن قصرتَ وفرطت في هذا العام.. فدونك عمر مديد وأنت في ريعان الشباب وميعته.. فلا داعي للندم ما دمت حياً ترزق.. وسيأتي رمضان القادم فتفعل فيه ما لم تفعله في رمضان المنصرم وتعوض ما فاتك فلا تحزن...
استجبت على مضض لهذا الهاجس الخبيث الذي خفف من حرقة الندم الذي توقد بداخلي.. ومنّيتُ نفسي برمضان القادم وأنا أكفكف دمعتي وأهدّئ لوعتي.. وقبل أن أنصرف من مجلسي تذكرتُ قصر الأعمار ودنو الآجال وغياب موعد الرحيل عن هذه الدنيا.. وعرفتُ خسة وسوسة الشيطان وقبح إيحاءاته.. حين يجعل الإنسان يعيش على الأمل وهو كالدخان لا يُدرى متى ينجلي وكيف ينجلي.. عُدت إلى نفسي وسألتها: هل تضمنين لي يا نفس أن أعيش إلى رمضان القادم.. وبيني وبين بلوغه سنة؟! هل نسيتِ أن الموت حق مقدر لا يتقدم ولا يتأخر؟! عندها سألت الله بقلب خاشع صادق أن يبلغني رمضان القادم.. وأن يتقبل مني ما كان من عمل صالح ويغفر زللي وذنبي ويجبر كسري.. ويجعل نيتي سابقة خير إلى ربي إن كان الله قد قدر قرب منيتي قبل بلوغ شهري...
لم أستفق من سباتي وتفكيري إلا على يد صديق جاء يهنئني بإتمام النعمة ودخول شهر العيد (تقبل الله منا ومنكم صالح القول والعمل) (كل عام وأنتم بخير) ...