الكثير منا يعرف الأضرار الصحية لهذه اللفافة، لكن أشد أضرارها خطورة، وأكثرها فتكا وتدميرًا هو ما تلحقه من أضرار نفسية واجتماعية، وما تتركه من آثار على السلوك والأخلاق.
إن أخبث ما تقوم به هذه القطعة الخبيثة أنها تضرب المثالية عند أبناء المدخن وزوجته، وهذه -لعمري- من أخطر ما يمكن أن يدمر الأسرة، ويشتت شملها، نعم، إن التدخين يشتت الأسرة، ويدمر بنيتها الاجتماعية، بضربه لأساس عظيم من أسس السلطة الأبوية، ألا وهو المثالية، أو القدوة.
إن الزوج في عين زوجته، والأب في عين أبنائه، هو القدوة التي يتبعونها، والسلطة التي يخشونها، والمثال الذي يحذون حذوه، والبطل الذي يفتخرون به، وهو عماد الأسرة وأساس نظامها، فإذا هوى هوت، وإذا فرط فرطت، وإذا رأى الأبناء أن أباهم يُؤثِر شهوته، وينقاد لرغبته، ولا يمنعه من ذلك إنكارُ المنكرين، ولا تحذيرُ العاقلين، تلاشت مكانتُه، وذهبت مصداقيته، وأصبحت أقواله مردودة بقول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ
وأصبح حالُ هذه الأسرة كما قال الآخر:
إذا كان رب البيت للدف ضاربا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
وأيضا فإن انهزام المدخن أمام لفافته، يجعله منقادًا لرغباته، وعبدًا لنزواته، إذ يتعود تجاوزَ الحدود، واقتراف الخبائث، ويجد المسوغات من نفسه، ويقوى في مواجهة تأنيب الضمير، ويصفق وجهه أمام الناس، فتجده في البداية متسترًا، ثم لا يفتأ أن يصبح دخانه له شعارًا، ورائحته بين الناس مألوفة، ويأخذ الدخان من أسنانه ولون شفتيه، ما يكون سمة مصاحبة، وعلامة مميزة، فيألف من نفسه صفة العاصي، ويستثمر الشيطان هذا الإحساس، ويغذيه ويثريه، حتى تصبح المعاصي عنده شيئا معتادًا، ويصير الذنب ذبابة يذبها عن أنفه، فيتهاوى في دركات المعاصي، ويخسر من أسرته وأولاده ودنياه وآخرته الكثير، ولا حول ولا قوة إلا بالله.